
كتب: صموئيل نبيل اديب
رحل عن عالمنا، مساء اليوم الأحد، الفنان القدير محمد التاجي، عن عمر ناهز 72 عامًا، بعد صراع مع المرض، بحسب ما أعلن الدكتور أشرف زكي، نقيب المهن التمثيلية، في تصريحات صحفية. ومن المقرر تشييع جثمان الفنان الراحل غدًا الاثنين 31 أغسطس، عقب صلاة الظهر، من مسجد الثورة بمنطقة صلاح سالم.
وكان محمد التاجي واحدًا من الفنانين الذين امتلكوا قدرة خاصة على ترك أثر واضح حتى في الأدوار الصغيرة، فشارك على مدار مسيرته في عشرات الأعمال السينمائية والتليفزيونية والمسرحية، من بينها «البشاير»، و«ليالي الحلمية»، و«المال والبنون»، و«زيزينيا»، و«العصيان»، و«يتربى في عزو»، و«سلسال الدم»، و«لعبة نيوتن»، إلى جانب أعمال مسرحية وسينمائية عديدة.
وارتبط اسم التاجي في ذاكرة أجيال كاملة بشخصيات وتفاصيل صغيرة تحولت إلى علامات فنية، ومن أشهرها شخصية «سعيد» في مسلسل «البشاير»، الذي ظل من الأعمال المحفورة في ذاكرة جمهور الثمانينيات، كما عرفه الجمهور المسرحي من خلال مشاركته في مسرحية «المتزوجون»، حيث أدى شخصية «عصمت البلابيشي» بعد الفنان محمد أبو الحسن. وتؤكد بيانات العمل أن التاجي حل محل أبو الحسن في هذا الدور.
والمفارقة أن محمد التاجي كان قد تحدث في أكثر من لقاء عن علاقته بمسرحية «المتزوجون»، مؤكدًا أن تجربته فيها كانت محطة مهمة في مشواره، رغم أنه لم يكن في البداية يرى أن الدور يناسبه، بينما كان يرى أن نجاحه في «البشاير» مثل لحظة فارقة جعلت الجمهور يعرفه باسمه وأدائه بعيدًا عن اسم عائلته الفنية.
ولم يكن محمد التاجي مجرد فنان ينتمي إلى عائلة فنية عريقة، بل كان حفيدًا للفنان الكبير عبد الوارث عسر. وقد كشف التاجي في لقاءات عدة أن جده كان يرفض أن يستغل اسمه في دخول الوسط الفني، بل طلب منه ألا يعلن أنه حفيده حتى يثبت نفسه بموهبته وأدائه. وظل التاجي يخفي هذه الصلة العائلية في بداياته، قبل أن يتحدث عنها بعد رحيل جده ونجاحه الفني.
وكانت علاقة التاجي بجده أعمق من مجرد علاقة حفيد بفنان كبير؛ فقد عاش معه في سنواته الأخيرة، وذكر في لقاء حديث أن ضعف بصر عبد الوارث عسر دفعه إلى قراءة الأعمال له ومساعدته، وأنه تعلّم منه احترام المهنة والانضباط والتعامل مع الفن باعتباره مسؤولية. كما روى أن والدته كرّست سنواتها الأخيرة لرعاية والدها عبد الوارث عسر خلال مرضه، وظلت إلى جواره حتى وفاته عام 1982.
وتستعيد العائلة الفنية مع رحيل محمد التاجي اسمًا آخر من تاريخ الفن المصري، هو الفنان حسين عسر، شقيق عبد الوارث عسر وعميد الأسرة في جيلها الأقدم. وقدم حسين عسر أدوارًا عديدة في السينما المصرية، من أبرزها شخصية متولي، والد نعيمة، في «حسن ونعيمة»، وشخصية الحاج عبد السلام في «الأيدي الناعمة»، إلى جانب مشاركته في «دعاء الكروان» و«أفواه وأرانب» وغيرها من الأعمال.
أما عبد الوارث عسر نفسه، فقد ارتبط اسمه لعقود بأدوار الأب والرجل الكبير، حتى إن بداياته المسرحية شهدت إسناد أدوار الرجال الأكبر سنًا إليه رغم حداثة سنه، وهو ما أصبح لاحقًا جزءًا من ملامح صورته الفنية لدى الجمهور. كما عُرف إلى جانب التمثيل بتدريس فن الإلقاء، وترك كتابًا شهيرًا في هذا المجال.
وهذه إحدى الصور التي جمعت الفنان الراحل مع السنتشلؤ الاعلامي الجريدة ، ظهر محمد التاجي خلال مناسبة لتكريم اسم جده الفنان عبد الوارث عسر، في مشهد بدا وكأنه يلخص امتداد جيلين من تاريخ الفن المصري؛ جيل أسّس، وجيل حمل الذكرى وأضاف إليها تجربته الخاصة.
رحم الله الفنان محمد التاجي، وألهم أسرته ومحبيه الصبر والسلوان، وبقيت أعماله وشخصياته شاهدة على مسيرة فنان استطاع أن يصنع لنفسه مكانًا خاصًا، رغم أنه جاء من واحدة من أشهر العائلات الفنية في تاريخ مصر.



