اقتصادمقالات

مصر لا تنتظر المستقبل الأخضر.. إنها تبنيه

بقلم / د . دارين جبريل

لم تعد استضافة مصر للمؤتمرات الدولية المعنية بالمناخ والبيئة مجرد حضور دبلوماسي أو مناسبة دولية عابرة،

وإنما أصبحت جزءًا من مسار يتشكل تدريجيًا نحو تعزيز الحضور المصري في قضايا التنمية المستدامة والاقتصاد الأخضر.

وبعد استضافة مصر مؤتمر الأطراف للتنوع البيولوجي COP14 عام 2018، ثم مؤتمر الأمم المتحدة للمناخ COP27 في شرم الشيخ عام 2022، يأتي اختيارها بالإجماع لاستضافة الدورة الثامنة عشرة لمؤتمر الأطراف لاتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة التصحر COP18 عام 2028، ليضيف محطة جديدة إلى هذا المسار.

لكن أهمية COP18 لا تتوقف عند رمزية الاستضافة؛ فالمؤتمر يعيد وضع قضايا الأرض والتصحر والجفاف في قلب النقاش الدولي،

وهي قضايا تتجاوز البعد البيئي إلى الاقتصاد والأمن الغذائي والمائي والاستقرار الاجتماعي.

ومن هنا تكتسب الاستضافة المصرية أهمية خاصة، لأنها تأتي في دولة تتعامل مع محدودية الأرض الزراعية والمياه باعتبارهما من أهم تحديات التنمية،

وفي الوقت نفسه تخوض تجربة واسعة في استصلاح الأراضي والتوسع الزراعي والعمراني خارج الوادي والدلتا.

ومن هذه الزاوية، تصبح مواجهة التصحر جزءًا أصيلًا من الاقتصاد الأخضر؛ لأن الأرض ليست مجرد مساحة جغرافية، وإنما مورد اقتصادي وإنتاجي، والحفاظ على قدرتها على الإنتاج يعني الحفاظ على فرص العمل والغذاء والدخل والاستقرار.

تجربة مصرية في استصلاح الصحراء

على مدى سنوات، لم تتعامل مصر مع الصحراء باعتبارها نطاقًا خارج العملية الاقتصادية، وإنما باعتبارها مجالًا يمكن تحويله تدريجيًا إلى مناطق للإنتاج والعمران.

ومن توشكى إلى مشروع المليون ونصف المليون فدان، ثم الدلتا الجديدة ومشروع مستقبل مصر، إلى جانب مشروعات التنمية الزراعية في سيناء والوادي الجديد وشرق العوينات، تتشكل تجربة مصرية في توسيع الرقعة الزراعية وإعادة توزيع النشاط الاقتصادي والعمراني.

ولا تكمن أهمية هذه المشروعات في حجم الأراضي المستصلحة فقط، وإنما في ارتباطها بمفهوم أوسع يقوم على استغلال الموارد غير المستغلة،

والتوسع في استخدام تقنيات الري الحديثة، وتحسين كفاءة استخدام المياه، وربط الزراعة بالصناعة والبنية الأساسية والمجتمعات العمرانية الجديدة.

وهنا تحديدًا يمكن لمصر أن تقدم في COP18 تجربة عملية، لا مجرد رؤية نظرية.

إن استضافة COP18 تمثل فرصة مهمة لتعزيز الحضور المصري في الاقتصاد الأخضر، لكنها في الوقت ذاته تضع أمام مصر اختبارًا حقيقيًا: هل تستطيع تحويل الاستضافة إلى منصة دائمة للتعاون والاستثمار ونقل التكنولوجيا؟

ومن ثم، يمكن النظر إلى هذه التجربة باعتبارها أحد النماذج المصرية التي يمكن البناء عليها في صياغة مفهوم أكثر شمولًا للاستدامة؛

فمواجهة التصحر لا تعني فقط وقف تدهور الأرض، وإنما يمكن أن تعني أيضًا إعادة توظيف الأرض وتحويلها إلى مورد منتج عندما تتوافر لها الإدارة والتكنولوجيا والبنية الأساسية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى