
بحر البلطيق هل يتحول إلى ورقة ضغط استراتيجية على روسيا
بقلم أزهار عبد الكريم
أثار تصريح حديث لقائد هيئة الأركان العامة للقوات المسلحة الفرنسية موجة واسعة من الجدل في الأوساط السياسية والعسكرية الأوروبية والدولية بعدما تحدث صراحة عن قدرة حلف شمال الأطلسي . الناتو على إغلاق بحر البلطيق وخنق روسيا بحرياً في حال اندلاع مواجهة مباشرة.
التصريح الذي وصف بأنه من أكثر المواقف العسكرية الأوروبية وضوحاً وحدة منذ سنوات فهو يعكس تحولاً لافتاً في الخطاب الغربي تجاه موسكو، ويطرح تساؤلات جدية حول مستقبل العلاقات الأوروبية-الروسية.
خلافاً للغة الدبلوماسية المعتادة فهذا التصريح يتجاوز الرسائل التقليدية فلم يكتف القائد العسكري الفرنسي بالتلميح إلى القدرات الدفاعية
بل تحدث بوضوح عن إمكانية السيطرة الكاملة على بحر البلطيق وهو ممر بحري حيوي لروسيا خاصة لأسطولها في مدينة كالينينغراد ولتجارتها البحرية في شمال أوروبا.
هذا الطرح يعد انتقالاً من منطق الردع النظري إلى الردع العملي القائم على الجغرافيا العسكرية.
فقد تزايدت أهمية بحر البلطيق وخاصة بعد انضمام فنلندا والسويد إلى حلف الناتو
ما جعل معظم الدول المطلة عليه أعضاء في الحلف، الأمر الذي يمنح الناتو تفوقاً بحرياً وجوياً غير مسبوق في المنطقة.
بالنسبة لروسيا يمثل البلطيق شرياناً استراتيجياً عسكرياً واقتصادياً،
وأي تهديد بإغلاقه ينظر إليه في موسكو باعتباره تهديداً مباشراً للأمن القومي الروسي .
فمن المرجح أن يؤدي هذا التصريح إلى مزيد من التدهور في العلاقات السياسية بين روسيا والاتحاد الأوروبي والتي تشهد أصلاً أسوأ مراحلها منذ نهاية الحرب الباردة.
فهى تعزز السردية الروسية التي تتهم أوروبا والناتو بالسعي إلى محاصرة روسيا عسكرياً واقتصادياً.
وعلى الجانب الآخر تعمل موسكو على تصعيد عسكري غير مباشر عبر زيادة المناورات وانتشار القوات وتعزيز الوجود البحري الروسي في مناطق أخرى مثل القطب الشمالي والبحر الأسود.
الأمر الذي يؤدى إلى انقسام أوروبي محتمل .على الرغم من وحدة الموقف الأوروبي في دعم أوكرانيا إلا أن التصريحات ذات الطابع الهجومي قد تثير تحفظات داخل بعض الدول الأوروبية التي تخشى الانجرار إلى مواجهة مفتوحة مع روسيا
خاصة تلك المرتبطة اقتصادياً أو جغرافياً بموسكو.
في المقابل ترى دول أوروبا الشرقية أن هذا الخطاب يمثل ردعاً ضرورياً في مواجهة ما تعتبره تهديداً روسياً مستمراً.
بين الردع والتصعيد
حيث يعتبر هذا التصريح الفرنسي يندرج ضمن حرب نفسية واستراتيجية تهدف إلى ردع روسيا دون الوصول إلى صدام مباشر
إلا أن خطورته تكمن في احتمال سوء التقدير أو التصعيد المتبادل خصوصاً في ظل بيئة دولية متوترة وتراجع قنوات الحوار المباشر.
فهل ينجح هذا الخطاب فى ردع موسكو أم أنه يقرب القارة العجوز خطوة إضافية نحو مواجهة لا يريدها أحد ؟



