العرب والعالم

تأملات في الأحداث … ماذا لو سقطت المملكة العربية السعودية بيد الحوثيين كتب عصام عياد

تأملات في الأحداث ... ماذا لو سقطت المملكة العربية السعودية بيد الحوثيين

تأملات في الأحداث … ماذا لو سقطت المملكة العربية السعودية بيد الحوثيين
كتب عصام عياد
مؤخراً ، و بعد فترة هدوء نسبي طويلة ، تصاعدت حدة التوترات مجددًا في المنطقة العربية ، إثر إعلان جماعة الحوثي تنفيذ عمليتين عسكريتين واسعتين ، استهدفتا مواقع حساسة في الرياض ومنشآت تابعة لشركة أرامكو في ينبع على البحر الأحمر باستخدام صواريخ بالستية ومجنحة وطائرات مسيرة ، وفي المقابل، أكدت السعودية اعتراض صاروخ باليستي متوجه نحو العاصمة وإحباط هجمات أخرى استهدفت الطائف وينبع ، هذا التصعيد المفاجئ يعيد الصراع بين الطرفين إلى الواجهة
ومع عودة طبول الحرب بين الجانبين، يتبادر إلى الأذهان السؤال الأكثر حساسية : ماذا لو مالت كفة النصر تمامًا للحوثيين ، وماذا لو سقطت السعودية ؟
و قبل الغوص في التفاصيل، لا بد من التأكيد على أن الحديث عن سقوط السعودية هو مجرد سيناريو افتراضي بعيداً تماماً عن الواقعية والمنطق؛ فالأرقام والمعطيات العسكرية والتحالفات الدولية للمملكة تجعل من هذا الأمر شبه مستحيل ، إذ نتحدث هنا عن دولة بمساحة هائلة تتجاوز 2.15 مليون كم² ، في المقابل نجد أن الحوثيين يواجهون صعوبة بالغة في إدارة رقعة اليمن الأصغر بكثير ، حيث تبلغ مساحتها 555 ألف كم ² ) و حتي الأن لم يسيطروا عليها بالكامل لوجود جبهات مقاومة لهم باستمرار) ناهيك عن التماسك الديني والمجتمعي داخل المملكة الذي يرفض أي تمدد لهذا الفكر، ورغم عدم واقعية الفرضية، إلا أنه لو تخيلنا حدوثها، فستترتب عليها تداعيات خطيرة جداً منها:
أولاً: على الصعيد الداخلي للمملكة
· تفكك مؤسسات الدولة ، و سيؤدي ذلك الي إنهيار البنية المؤسسية والحكومية، مما يؤدي إلى فراغ إداري وأمني واسع
· تهديد منابع الطاقة ، مما يؤدي ذلك الي نشوب نزاعات جغرافية وانقسامات محتملة حول مناطق إنتاج النفط الحيوية
· موجات نزوح واسعة ، حيث ستتدفق هجرات جماعية حادة للسكان، سواء داخلياً بين المدن أو خارجياً نحو الدول المجاورة ، كما حدث في حرب العراق والكويت

ثانياً: على مستوى الاقتصاد العالمي (الأثر الأكثر خطورة)
· فسوف تحدث قفزة جنونية لأسعار النفط ، بالنظر إلى أن المملكة تضخ نحو 10% من الإنتاج العالمي، فإن غيابها سيكون سبباً في رفع سعر برميل النفط ليتجاوز الــ 300 دولار
· وجود أزمة طاقة غير مسبوقة ، فسوف يحدث شلل تام في سلاسل الإمداد العالمية، يتبعه ركود اقتصادي وتضخم حاد يضرب الأسواق الدولية

ثالثاً: على الصعيد الديني والإسلامي
· حدوث أزمة شرعية في إدارة المقدسات ، فلن يقبل 1.8مليار مسلم حول العالم بوقوع الحرمين الشريفين تحت إدارة جماعة مسلحة
· انقسام وصراعات مذهبية ، حيث يتحوّل ملف المقدسات إلى شرارة لتأجيج صراعات خارجية ،وصراعات داخلية دموية بين مختلف الأطياف والبلدان الإسلامية

رابعاً: على المستوى الإقليمي والعسكري
تدخل القوى العظمى:
· فسوف يحدث تحرك عسكري فوري من الدول الكبرى المستوردة للطاقة (مثل الولايات المتحدة، الصين، بريطانيا، وفرنسا) لحماية الممرات المائية وتأمين منابع النفط ومنع سقوطها بيد فصيل واحد
· سيحدث أيضاً استنفار لحلفاء المملكة ، يتبعه تدخل عسكري مباشر من الدول التي يرتبط أمنها القومي استراتيجياً بأمن الرياض، وفي مقدمتها مصر، الأردن، الإمارات، وباكستان لحفظ الاستقرار ومنع تمدد الفوضى

خامساً: على المستوى الإداري
· سيعجز الحوثيون عن القيادة ، فنظراً لتعثرهم في إدارة رقعة اليمن المقسمة، سيكون من المستحيل عليهم إدارة دولة بمساحة قارة يتجاوز تعداد سكانها 35 مليون نسمة
· الوقوع في مستنقع الفوضى ، فستتحول الجغرافيا السعودية الواسعة إلى فريسة سهلة للمجموعات المتطرفة والتنظيمات الإرهابية والمتربصين الإقليميين ، ومحاولة سيطرة كل منهم علي ما يمكنه من الأراضي السعودية

و وقد يري بعض القراء أن غالبية الاطراف ينتظرون هذا السقوط ويتمنونه ، ليغتنموا الفرصة ويقتسموا التورتة كغيرهم من المنتفعين
لكن ، على نقيض تلك القراءات السطحية ، فإن انهيار المملكة العربية السعودية لا يخدم مصالح أي من الأطراف الفاعلة، بما في ذلك خصومها الإقليميين كإيران وجماعة الحوثي
فالتحركات العسكرية الإيرانية – الحوثية لا تستهدف تقويض كيان الدولة السعودية بذاته، بل تُوصف بأنها أوراق ضغط استراتيجية تهدف إلى انتزاع السيطرة والنفوذ الجغرافي على مضيق باب المندب، الذي يعد أحد الشرايين الحيوية لحركة التجارة والملاحة العالمية ، وبالمثل، ترفض القوى الدولية الكبرى الأخرى (مثل الصين وروسيا) سيناريو انهيار الرياض، تفادياً لمنح الولايات المتحدة مبرراً لتوسيع رقعة نفوذها وهيمنتها العسكرية في حوض البحر الأحمر
و من هذا المنطلق، لا تسعى الولايات المتحدة الأمريكية إلى حسم الصراع أو إنهاء التوترات في المنطقة، بل تنتهج سياسة “إدارة الأزمات” للحفاظ على حالة الاستقطاب ، كونها المستفيد الأكبر في كلا الحالتين، فبقاء المملكة قوية ومستقرة تحت التهديد المستمر ( وهو السيناريو الذي تفضله واشنطن ) يضمن لها عوائد استراتيجية واقتصادية هائلة ، من أبرزها:
· مكاسب اقتصادية: وتتمثل في استمرار صفقات تسليح بمليارات الدولارات كلما تصاعد الخطر الحوثي، إلى جانب ضمان استقرار أسواق الطاقة وأسعار النفط بما يحمي مصالح شركات النفط الأمريكية
· المبرر والشرعية العسكرية : فتلك الاحداث والتهديدات تعطيها مبرر دائم ومقبول لاستمرار بقاء القواعد العسكرية الأمريكية في الخليج العربي، ومحاولة إحكام القبضة على الممرات البحرية الحيوية في مضيق هرمز وباب المندب.
· قطع الطريق على المنافسين : حيث تنشغل المملكة في صد الهجمات وحماية امنها القومي متمثلاً في المرتبة الاولي في الاعتماد علي الولايات المتحدة الأمريكية ، مما يؤدي ذلك الي عزل الرياض ومحاصرة أي محاولات سعودية جادة للتوجه أو التحالف مع المعسكر “الصيني- الروسي”.
· البُعد الإقليمي وأمن إسرائيل: فيمثل استمرار هذا التوتر الإقليمي صمام أمان للأمن القومي الإسرائيلي ، إذ يؤدي استنزاف مقدرات دول المنطقة وانشغالها بالصراعات البينية إلى تحييد أي خطر أو مواجهة مباشرة مع إسرائيل، مما يمنحها مناخاً مثالياً لتحقيق مآربها ، وتوسيع نفوذها الإقليمي دون عوائق تذكر

وعلى الجانب الآخر
حتى لو تحول سيناريو سقوط المملكة بيد الحوثيين إلى واقع، فإن الولايات المتحدة تمتلك “خطة بديلة” لتحويل هذه الكارثة الإقليمية إلى مكاسب استراتيجية عبر عدة مسارات منها :
· التدخل العسكري المباشر بشرعية دولية : فستتخذ واشنطن من هذا الانهيار ذريعة للتدخل الفوري بصفتها ” المنقذ للطاقة العالمية “، مما يمنحها غطاءً دولياً لإعادة احتلال منابع النفط وإحكام السيطرة عليها ،على غرار السيناريوهين العراقي والليبي ، فضلاً عن توظيف شعار “حماية المقدسات الإسلامية ” لتبرير وجودها ( ويستلم القط مفتاح الكرار ) فيعبث كما يشاء
· تحقيق طفرة في أرباح الطاقة الأمريكية: فبالنظر إلى أن الولايات المتحدة أصبحت من أكبر منتجي النفط في العالم، بل والمتحكم الأقوى ، فإن القفزة الجنونية في الأسعار الناتجة عن توقف الإمدادات السعودية ستصب مباشرة في مصلحة الشركات والاقتصاد الأمريكي
· سهولة الهيمنة المطلقة والتطبيع القسري: فسيثير هذا السقوط المروع ذعر في العواصم الإقليمية الأخرى، مما يدفعها للارتماء الكامل في الأحضان الأمريكية وقبول أي شروط تملى عليها، بل والتسابق المعلن ( ليس علي استحياء كما يحدث الآن ) نحو التطبيع كخيار حتمي لحماية بقائها
وعلي سياق متصل فان الادارة الأمريكية تسعي لأن تكون تلك الدول في المنطقة الرمادية وهو ما يعرف بالاستقرار المتوتر ، فهي لا تريد سقوط السعودية، كما لا تريد لها أن تصبح قوة إقليمية مستقلة بذاتها ، وفي الوقت ذاته، لا ترغب في انتصار الحوثيين، بل تسعى للاحتفاظ بهم كـ “مفتاح تهديد مستمر”. فالانتصار الحاسم لأي طرف يعني نهاية الحرب، ونهاية الحرب تعني إغلاق سوق السلاح الأكبر في العالم وزوال شرعية الوجود العسكري الأمريكي في المنطقة ، ووقف لعميلة استنزاف العرب تحت دعوي الحماية التي لم تحدث ، ولم يشموا حتي رائحتها ، بل علي العكس كانت زريعة للاعتداء عليهم وتهديد أمنهم
لذلك ، تحرص واشنطن على إبقاء دول المنطقة في ” المنطقة الرمادية ” قوية بما يكفي لضخ النفط وشراء السلاح والوفاء بالالتزامات المالية، وضعيفة بما يكفي لتبقى في حاجة دائمة للمظلة الأمنية الأمريكية، وهو ما يعرف بمفهوم ” الاستقرار المتوتر ” الذي يضمن ديمومة المصالح الأمريكية
وهنا نجد سؤالاً يفرض نفسه وبقوة ، أما آن الأوان للعرب أن يتحدوا ؟
الإجابة : أن ما تشهده المنطقة اليوم هو الدليل الأبرز على حاجتنا الشديدة للوحدة ، و دليل علي أننا لم نعد نملك رفاهية التأجيل أو الانتظار، فالخطر لم يعد يتربص بنا من خلف الحدود فحسب، بل بات التناحر داخلياً وبأيدٍ عربية ومسلمة ، فها هي الرياض تُستهدف بصاروخ ينطلق من صنعاء، وصنعاء تُقصف بطائرة تقلع من الرياض ، النيران عربية، والسلاح أمريكي أو روسي، والضحية في النهاية عربي مسلم ، بينما الرابح الوحيد هو العدو الأجنبي

فلقد حان وقت الاتحاد، ليس بالضرورة لأننا غارقون في محبة بعضنا بعضاً، بل لأن البديل المرعب هو الانهيار والفناء فرادى ، حيث سنُلتهم واحداً تلو الآخر ، فالمواطن السعودي الذي فزع لصوت صفارات الإنذار في الرياض، والمواطن اليمني الذي ترقب قصف الطائرات في تعز، كلاهما ضحايا لغياب “بيت عربي كبير” يمتلك القدرة لاحتواء الخلافات قبل أن تتحول إلى صواريخ عابرة للحدود ، رغم ما تبذله القيادة المصرية في كل مرة لاحتواء الازمات ورد المخاطر
وبناءً على هذا الواقع، فإن السؤال الحقيقي ليس ، أما آن الأوان ؟ ، بل السؤال المصيري هو ، هل نمتلك الشجاعة الكافية لنبدأ فوراً بتأسيس وحدة مصالح ملموسة، بدلاً من إضاعة الوقت في انتظار وحدة مشاعر وعواطف قد لا تأتي أبداً ؟
لا شك ان أمامنا اليوم فرصة لوحدة واقعية ممكنة ، هي “وحدة المصالح” ، على غرار تجربة الاتحاد الأوروبي ، وحدة تتجسد في سوق عربية مشتركة، تبادل حقيقي للمنافع والخبرات، عملة موحدة، ومنظومتي إعلام وتعليم تلتقيان على أهداف استراتيجية عليا تخدم المنطقة بأسرها

لا بد أن يستوعب العرب ، أن الانقسام هو سبب ضعفهم وفقرهم وليس قلة مواردهم، وأن قطار النفط شارف على الانتهاء مع تحول العالم السريع نحو الطاقة البديلة ، فكيف سيكون حال دول تعتمد كلياً على الذهب الأسود وهي تستورد 60% من غذائها ؟
· ليستوعب العرب أن تفرقهم يسهل احتلالهم واستنزافهم ، والشواهد اليوم هي البداية فقط ، فأثيوبيا تتحكم في نيل مصر والسودان، وتركيا تقبض على دجلة والفرات بسوريا والعراق، والطائرات الإسرائيلية تخترق الأجواء العربية وتستبيح الأشقاء بلا اذن ، أرفع الممرات المائية في العالم ، من باب المندب وهرمز و قناة السويس، موجودة في أراضي عربية ، لكن حمايتها بيد الأساطيل الأمريكية
· ليفيق العرب كيف أن دينهم وقبلتهم ولغتهم وتاريخهم واحد ، ومع ذلك هم متفرقون، في حين نجح اليهود في الاتحاد والاجتماع من 80 دولة ، رغم تباين لغاتهم وتواريخهم
· ليدرك العرب المفارقة الصادمة بأنهم “أغنى أرض وأفقر شعوب”؛ يبيعون موادهم الخام برخص التراب، ويعيدون استيرادها مصنعة بأغلى الأثمان
· ليستوعبوا أن أموالهم المدخرة هي التي تُشغّل مصانع من يتحكم في مصيرهم
· ليسألوا أنفسهم كيف تحولوا إلى “ملعب” تتصارع فيه القوى الدولية بعد أن كانوا “لاعبين” يقوموا بصياغة الأحداث
· ليتأملوا كيف يموت العرب على الأرض بينما يتفاوض الأجانب في الغرف المغلقة ، لينظروا من الرابح ومن الخاسر ومن صاحب المصلحة والمستفيد ؟

إننا نريد أن نتوحد لا لنعلن الحرب، بل نتوحد كي لا ننهار ، نتوحد لنمنع الاستلاب والتبعية، نتوحد لنحمي وجودنا وكرامتنا، ولنصبح شركاء حقيقيين في صناعة القرار العالمي ، لا مجرد مستهلكين وزبائن على هامش التاريخ

وفي الختام نصرخ ونقول ، ان لم يتوحد العرب الآن فمتي سيتوحدون ؟
ليعلم الجميع ، أن غياب الوحدة لا يعني أننا ضعفاء ، بل يعني أننا اخترنا أن نكون ضعفاء
ولو بقي العرب متفرقون هكذا ، فالسؤال بعد فترة ليس ببعيدة ، لن يكون لماذا لا نتوحد ؟ بل سيكون هل سيكون شيء اسمه عرب ليتوحد ؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى