العرب والعالم

هل تكشف المفاوضات تصدعاً داخل السلطة الإيرانية؟

هل تكشف المفاوضات تصدعاً داخل السلطة الإيرانية؟

كتب/ محمد حنفي

تشهد المفاوضات بين طهران وواشنطن جدلاً متصاعداً داخل أروقة الحكم الإيراني.

وذلك بعدما فجّر النائب المتشدد محمود نبوي سجالاً واسعاً، إثر كشفه مقتطفات من مراسلات، وُصفت بأنها شديدة السرية ومنسوبة إلى المرشد الأعلى.

وأثار هذا التطور أسئلة جوهرية حول طبيعة السلطة الإيرانية وحدود التوافق بين أجنحتها المختلفة بشأن مستقبل العلاقة مع الولايات المتحدة.

التسريبات تكشف عمق الانقسام السياسي

أظهرت التسريبات أن الخلافات داخل السلطة الإيرانية لم تعد محصورة في الاجتماعات المغلقة.

بل انتقلت إلى المجال العام بصورة غير مسبوقة. وأكدت المراسلات المتداولة أن المفاوضات لم تحظَ بحماس كامل منذ انطلاقها.

إذ رأى بعض أركان النظام أن النتائج النهائية ابتعدت عن الأهداف التي مُنحت على أساسها الشرعية السياسية.

وفي السياق ذاته، كشف الجدل الدائر عن اتساع الفجوة بين تيار الرئيس مسعود بزشكيان ورئيس البرلمان محمد باقر قاليباف من جهة،

وبين التيار العقائدي المحافظ من جهة أخرى، وهو تيار يرى أن أي تقارب مع واشنطن يحمل مخاطر استراتيجية بعيدة المدى.

 الملف النووي يغيّر أولويات التفاوض

أبرزت النقاشات الأخيرة تحولاً مهماً في مكانة الملف النووي داخل الحسابات الإيرانية.

وأشارت المعطيات المتداولة إلى أن الملف النووي لم يعد يمثل القضية المركزية الوحيدة كما كان خلال العقود الماضية.

وركزت بعض الرؤى المطروحة داخل دوائر صنع القرار على ضرورة عدم تحويل الملف النووي إلى المحور الرئيسي لأي تفاهم مستقبلي.

كما دفعت هذه المقاربة نحو البحث عن ملفات أخرى يمكن استثمارها لتحقيق مكاسب سياسية واقتصادية أكبر.

 المرشد يطرح معادلة حاسمة

أظهرت الرسائل المسربة أن المرشد وضع تصوراً واضحاً لمسار المفاوضات يقوم على خيارين رئيسيين؛

أولهما الحصول على اعتراف أمريكي كامل بحق إيران في التخصيب،

وثانيهما إخراج الملف النووي من دائرة التجاذبات السياسية إذا تعذر تحقيق ذلك.

وعزز هذا الطرح قناعة شريحة واسعة من المحافظين بأن المفاوضات يجب أن تؤدي إلى مكاسب ملموسة،

لا إلى تنازلات مجانية يمكن أن تُفسر داخلياً باعتبارها تراجعاً عن الثوابت الوطنية.

مضيق هرمز يتحول إلى ورقة ضغط مؤثرة

كشفت النقاشات أن مضيق هرمز لا يُنظر إليه داخل دوائر القرار باعتباره ممراً ملاحياً فحسب،

بل باعتباره أداة استراتيجية قادرة على التأثير في موازين القوى الإقليمية والدولية.

وتحدثت التسريبات عن تصورات تتعلق بإدارة حركة الملاحة عبر مضيق هرمز بآليات تمنح إيران قدرة أكبر على التأثير في حركة التجارة والطاقة.

كما ارتبطت قضية مضيق هرمز بمطالب سياسية واقتصادية تتجاوز البعد الأمني التقليدي.

طهران تربط بين التعويضات والاتفاق

طالبت دوائر مؤثرة داخل القيادة الإيرانية بالحصول على تعويضات مالية قبل تقديم تنازلات جوهرية في الملفات الأمنية.

وربطت القيادة الإيرانية بين أي تفاهم مستقبلي وبين معالجة ما تعتبره أضراراً لحقت بالبلاد نتيجة سنوات الصراع والعقوبات.

وفي المقابل، أثار عدم تضمين هذه المطالب في الصيغة الحالية انتقادات واسعة داخل بعض الأوساط المحافظة، التي رأت أن الاتفاق لم يحقق جميع أهداف القيادة الإيرانية.

الإعلام الرسمي يكشف حساسية المرحلة

عكس رد فعل الإعلام الرسمي حجم القلق الذي أثارته التسريبات داخل السلطة الإيرانية.

وأكدت الإجراءات التي تلت الواقعة أن المؤسسات الرسمية تعاملت معها باعتبارها قضية أمنية تتجاوز حدود الخلاف السياسي المعتاد.

وأظهر الجدل الإعلامي أن الصراع لم يعد مقتصراً على مضمون الاتفاق،

بل امتد إلى معركة أوسع حول من يمتلك حق تفسير توجهات القيادة الإيرانية وإرادة المرشد الحقيقية.

التيارات تنافس على رواية الاتفاق

سعت مختلف القوى السياسية إلى تقديم نفسها باعتبارها الممثل الأكثر وفاءً لتوجهات المرشد الأعلى.

وحاول كل طرف إثبات أن خصومه ابتعدوا عن رؤية المرشد الأعلى أو أساؤوا فهم أولوياته.

وفي الوقت نفسه، أعادت الأزمة طرح تساؤلات قديمة حول حجم الدور الذي يؤديه المرشد الأعلى في التفاصيل التنفيذية،

ومدى تركه هامشاً للمؤسسات الحكومية لتحمل تبعات القرارات الحساسة.

المفاوضات ترتبط بالبعد الإقليمي

أشارت تحليلات النخب السياسية إلى أن نجاح المفاوضات لم يعد مرتبطاً بالعلاقة الثنائية مع واشنطن فقط،

بل أصبح مرتبطاً أيضاً بمستقبل العلاقات مع دول الخليج العربية.

ورأت هذه التحليلات أن العلاقات الخليجية باتت عاملاً أساسياً في استقرار أي اتفاق طويل الأمد.

كما عززت التطورات الأخيرة أهمية العلاقات الخليجية باعتبارها جزءاً من البيئة السياسية والأمنية المحيطة بإيران.

المعارضة تعكس مخاوف مختلفة

نظرت أطراف من المعارضة الإيرانية إلى الاتفاق من زاوية مختلفة،

إذ اعتبرت أن التفاهم يمنح النظام فرصة إضافية لإعادة ترتيب أوضاعه الداخلية بعد سنوات من الضغوط.

وفي المقابل، رأت شرائح أخرى أن نجاح المفاوضات قد يفتح الباب أمام تخفيف التوترات وتحسين الظروف الاقتصادية،

وهو ما أبقى الجدل مفتوحاً بين مؤيدي الاتفاق ومعارضيه داخل المعارضة الإيرانية وخارجها.

المرحلة تفرض اختباراً حقيقياً

تكشف التطورات المتلاحقة أن السلطة الإيرانية تواجه اختباراً معقداً بين ضرورات الواقعية السياسية ومتطلبات الخطاب الأيديولوجي.

وبينما تواصل القيادة الإيرانية البحث عن توازن دقيق بين الدبلوماسية والضغط الاستراتيجي،

يبقى مستقبل المفاوضات مرهوناً بقدرة الأطراف المختلفة على صياغة رؤية مشتركة تتجاوز الانقسامات الحالية وتحافظ على مصالح الدولة في مرحلة إقليمية ودولية شديدة الحساسية.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى