
الأسرة التي نريدها لأطفالنا
الأسرة التي نريدها لأطفالنا
بقلم / أسماء محمود صلاح
لا تبنى الأسرة يوم الزواج بل تبدأ في الحقيقة من الطريقة التي يتعامل بها الزوجان مع بعضهما كل يوم
فالطفل لا يتعلم الحب من الكلمات التي نقولها له
وإنما من الطريقة التي يرى بها والده يحترم أمه ومن الطريقة التي يرى بها أمه تتحدث إلى أبيه ومن الأمان الذي يشعر به عندما يختلف الكبار دون أن يتحول الاختلاف إلى خوف أو إهانة
في علم النفس تعد الأسرة البيئة الأولى التي تتشكل داخلها شخصية الطفل ففيها يتعلم كيف يثق وكيف يعبر عن مشاعره وكيف يحل الخلافات وكيف يرى نفسه والآخرين
ولذلك فإن بناء أسرة متوازنة لا يعني غياب المشكلات وإنما يعني امتلاك القدرة على التعامل معها دون أن تتحول إلى جروح دائمة وتفاهم الزوجين هو حجر الأساس
فالزواج ليس منافسة لمعرفة من ينتصر في الخلاف وإنما شراكة بين شخصين قد يختلفان في الطباع والاحتياجات ووجهات النظر لكنهما يتفقان على أن العلاقة أهم من الخلاف
قد يختلف الزوجان وهذا طبيعي لكن هناك فرقا كبيرا بين أن نقول أنا مختلف معك وأن نقول أنت لا تفهم شيئا الأول اختلاف أما الثاني فهو إهانة
والاعتذار داخل الأسرة ليس ضعفا والتراجع عن الخطأ ليس هزيمة والإنصات ليس تنازلا أحيانا تكون كلمة بسيطة مثل أنا فهمت أنك متضايق أكثر قدرة على إصلاح العلاقة من عشرات التبريرات
أما الأطفال فلا يحتاجون إلى والدين مثاليين يحتاجون إلى والدين يمنحانهم الأمان
الطفل الذي يسمح له بالتعبير عن حزنه وغضبه وخوفه دون سخرية يتعلم أن مشاعره مقبولة وأنه يستطيع طلب المساعدة أما الطفل الذي يقال له دائما لا تبكى أنت رجل أنت مدلل
فقد يتعلم إخفاء مشاعره بدلا من فهمها
وتربية الطفل السوي لا تعني أن نحقق له كل ما يريد بل أن نضع له حدودا واضحة مع الحفاظ على الحب فالحنان بلا حدود قد يصنع طفلا غير قادر على تحمل الإحباط والقسوة بلا حنان قد تصنع طفلا يخاف بدلا من أن يتعلم
والأهم من كل ذلك أن نتذكر أن الأطفال لا يسمعوننا فقط إنهم يراقبوننا
إذا أردنا طفلا صادقا فليرانا صادقين وإذا أردناه محترما فليرانا نحترم بعضنا وإذا أردناه قادرا على الاعتذار فلنره أننا نعتذر عندما نخطئ
وفي النهاية ليست الأسرة الناجحة هي التي لا يحدث فيها خلاف ولا البيت الذي يخلو من المشكلات فالبيت الحقيقي قد يعرف الغضب والتعب والاختلاف لكنه يعرف أيضا كيف يعود إلى الهدوء وكيف يعتذر وكيف يحتضن وكيف يقول لأفراده
مهما اختلفنا نحن في النهاية عائلة ولن يكون الخلاف أقوى من محبتنا
فأجمل ما يمكن أن نتركه لأطفالنا ليس بيتا فاخرا ولا حسابا مصرفيا ممتلئا وإنما طفولة آمنة وذاكرة دافئة وإيمان عميق بأن البيت مكان يستطيعون العودة إليه دون خوف




