تنمية بشرية

الاستنزاف النفسي في العلاقات المسيئة

الموت البطيء للمشاعر

الاستنزاف النفسي في العلاقات المسيئة الموت البطيء للمشاعر

بقلم / أسماء محمود صلاح

ليس كل جرح يرى بالعين وليس كل ألم يترك أثرا على الجسد هناك نوع من الأذى أكثر قسوة من الضرب وأكثر عمقا من الصراخ وأكثر بقاء من أي جرح مادي إنه الاستنزاف النفسي

الاستنزاف النفسي لا يحدث في يوم واحد ولا يولد من موقف عابر بل يتسلل إلى الروح ببطء شديد حتى يستيقظ الإنسان ذات يوم ليجد نفسه شخصا مختلفا أقل فرحا أقل حماسا أقل ثقة بنفسه

وكأن الحياة قد سحبت منه قطرة قطرة في العلاقات المسيئة لا يطلب منك أن تعطي الحب فقط بل أن تعطي طاقتك وصبرك وأعصابك وأحلامك وحتى سلامك النفسي

ومع مرور الوقت تكتشف أنك تدفع الثمن وحدك بينما الطرف الآخر لا يتوقف عن المطالبة بالمزيد

قد يبدأ الأمر بكلمات صغيرة
أنت حساس أكثر من اللازم
أنت دائما تفهم الأمور خطأ
لولا أخطاؤك لما حدث هذا

كلمات تبدو عابرة لكنها تتكرر حتى تتحول إلى صوت داخلي يسكن العقل ومع الوقت يبدأ الإنسان في محاكمة نفسه قبل أن يحاسبه الآخرون

الاستنزاف النفسي يشبه شمعة تحترق في غرفة مغلقة لا أحد يلاحظ نقصانها لحظة بلحظة لكن الجميع يلاحظ اختفاءها في النهاية

تخيل موظفا يعود إلى منزله كل يوم منهكا ليس بسبب العمل بل بسبب مدير لا يرى فيه سوى الأخطاء مهما اجتهد لا يسمع كلمة تقدير ومهما أنجز لا يتلقى سوى النقد بعد أشهر أو سنوات يفقد شغفه لا لأنه عاجز بل لأنه استنزف نفسيا

وتخيل صديقا يبذل كل جهده للحفاظ على علاقة صداقة يعتذر دائما ويتنازل دائما ويبرر دائما بينما الطرف الآخر لا يقدم شيئا سوى اللوم والطلبات

هنا لا تنتهي الصداقة فجأة بل تموت ببطء تحت وطأة الاستنزاف

وفي العلاقات العاطفية قد يكون الاستنزاف أكثر إيلاما فبعض الأشخاص يجعلون شريكهم يعيش في حالة دائمة من القلق ينتظر الرضا ويخشى الغضب ويبحث عن الكلمات المناسبة

حتى لا يثير مشكلة جديدة ومع الوقت تتحول العلاقة من مصدر للأمان إلى مصدر للتوتر

ومن أخطر علامات الاستنزاف النفسي أن يعتاد الإنسان عليه

فيعتاد الإهانة
ويعتاد التجاهل
ويعتاد التقليل من شأنه
ويعتاد أن يبرر الأذى الذي يتعرض له

حتى يصبح الألم جزءا من الحياة اليومية

وحين يصل الإنسان إلى هذه المرحلة لا يعود يسأل هل هذه العلاقة صحية؟ بل يسأل كيف أتحمل أكثر؟

لكن الحقيقة النفسية المهمة هي أن العلاقات الصحية لا تستنزف الإنسان باستمرار قد تمر بالخلافات والصعوبات لكنها لا تسلبه احترامه لنفسه ولا تجعله يشعر أنه غير كاف

ولا تدفعه إلى الشك الدائم في قيمته
العلاقة السليمة تمنح طاقة أكثر مما تأخذ أما العلاقة المسيئة فتأخذ أكثر مما تمنح

ولهذا فإن حماية النفس ليست أنانية ووضع الحدود ليس قسوة والابتعاد عن مصادر الأذى ليس ضعفا فالإنسان ليس آلة تتحمل بلا نهاية والروح ليست بئرا لا ينضب

وفي النهاية أخطر ما في الاستنزاف النفسي أنه لا يسرق منك يوما أو شهرا أو عاما فقط

بل قد يسرق منك النسخة الأجمل من نفسك لذلك لا تسمح لأحد أن يطفئ نورك تحت اسم الحب أو الصداقة أو القرابة أو الواجب

فالعلاقات خلقت لتكون سكنا للروح لا ساحة لاستنزافها ومن حق كل إنسان أن يعيش في علاقة تمنحه السلام لا أن يقضي عمره محاربا من أجل البقاء فيها

الاستنزاف النفسي في العلاقات المسيئة الموت البطيء للمشاعر
الاستنزاف النفسي في العلاقات المسيئة الموت البطيء للمشاعر

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى