راى موجه سيادة الوزير بقلم ريهام سلام
راى موجه سيادة الوزير بقلم رهام سلام
بقلم: د/ ريهام سلام
استشارى تربوى فى التفكير والتطوير
سيادة الوزير… ماذا لو علّمنا أبناءنا التفكير؟
السيد الأستاذ الدكتور وزير التربية والتعليم والتعليم الفني،
أعرف أن من أسهل الأشياء في التعليم أن نقول:
الطالب لازم يعرف المعلومة.
وأعرف أيضًا أن من أكثر الأشياء التي قد تقلق أي منظومة تعليمية أن نقول: الطالب لازم يفكر.
لأن أول ما نعلّمه التفكير، ممكن يسأل: ليه؟
وممكن بعدها يقول: بس أنا مش مقتنع.
وممكن، لا قدر الله، يسأل عن سبب القرار، ويناقش الطريقة، ويقترح بديلًا!
– وهنا تبدأ الحكاية التي يخشاها بعضنا:
“إحنا هنعلّم العيال الاعتراض؟”
لا يا سيادة الوزير إحنا محتاجين نعلّمهم التفكير، مش الخناقة ، لأن هناك فرقًا كبيرًا بين طالب يقول:
“لا، مش هعمل كده وخلاص.”
وطالب يقول:
“أنا مختلف مع الفكرة، ودي أسبابي، وده البديل اللي أقترحه.”
الأول يعترض ، أما الثاني فيفكر.
سيادة الوزير:
المشكلة ليست في أن الطالب يسأل “ليه؟”
المشكلة أن بعض الطلاب لا يعرفون ماذا يفعلون بعد سؤال “ليه؟”.
يسأل: ليه أدرس ده؟ ثم يرفض.. ليه الطريقة دي؟
ثم يعترض..ليه النظام كده؟ ثم يشتكي.
لكننا لو علّمناه التفكير البنّاء، سنضيف للسؤال سؤالًا آخر:
طيب، نعمل إيه بدل كده؟
وهنا يتحول الاعتراض إلى بحث، والبحث إلى فكرة، والفكرة إلى تجربة، والتجربة إلى تعلم.
وهذا هو الفرق الذي نحتاج أن نفهمه.
التعليم لا يحتاج أن يختار بين المعلومات والتفكير
– أنا لا أقول إننا نترك المعلومات ونقول للطالب:
“فكّر يا حبيبي، والمعلومة هتيجي لوحدها.”
طبعًا لا. إحنا محتاجين المعرفة.
لكن السؤال ماذا سيفعل الطالب بما عرفه؟
هل سيحفظ المعلومة لكي يكتبها في الامتحان وينساها بعدها؟ أم سيستخدمها في فهم مشكلة، وتحليل موقف، ومقارنة بدائل، واتخاذ قرار، وتصميم حل؟
المعلومة مهمة.لكن القدرة على استخدامها أهم.
لأن العالم لن يتوقف عن إعطائنا أسئلة امتحان لها أربع اختيارات.
الحياة نفسها ستعطينا مواقف ليس لها Answer Key في آخر الصفحة.
تخيل يا سيادة الوزير…
معلم يقول:
“الطالب ده مش بيشارك في الفصل.”
نقول له: خلاص، الطالب خجول.
أو ضعيف.أو مش مهتم.أو ما بيذاكرش.
لكن التفكير التصميمي يقف هنا ويقول:
استنى بس… هو فعلًا مش بيشارك ليه؟
نسأله ، نراقبه ، نفهم تجربته ، نكتشف ما الذي يمنعه.
ثم نعيد تعريف المشكلة.
يمكن المشكلة ليست أن الطالب لا يريد المشاركة.
يمكنه أن يخاف من الغلط ،او يخاف من تعليق زملائه.
أو لا يحصل على وقت كافٍ للتفكير،أو أن طريقة النشاط نفسها لا تناسبه.
هنا لا نكتفي بأن نقول:
“الطالب عنده مشكلة.”
بل نسأل:
“إزاي نعيد تصميم الموقف التعليمي بحيث يساعده؟”
وهنا يبدأ التفكير الحقيقي ، التفكير التصميمي.
والتفكير التصميمي ببساطة يقول لنا:
افهم الإنسان قبل ما تحكم عليه.
افهم المشكلة قبل ما تجري على أول حل.
اسأل أصحاب المشكلة ، ولّد أكثر من احتمال.
جرّب ، شوف النتيجة ، عدّل ، وجرّب تاني.
يعني بدل ما نقول:
“أنا شايف إن الحل ده هيشتغل.”
نقول: “خلينا نجرب ونشوف.”
وهذه عقلية نحتاجها بشدة في التعليم.
لأن أول فكرة ليست دائمًا أفضل فكرة.
وأول حل ليس بالضرورة الحل المناسب.
والغلط في النموذج الأولي ليس كارثة.
الكارثة أن نصرّ على حل لا يعمل لمجرد أننا أصحاب الفكرة.
سيادة الوزير…
ربما نحتاج أن نعيد تعريف كلمة “طالب جيد”.
ليس فقط الطالب الذي يحفظ.
ولا الطالب الذي يجيب الإجابة التي يريدها المعلم.
بل الطالب الذي:
يفهم، يسال، يحلل ، يختلف باحترام، يستمع ، يقترح،
يجرّب، ويعرف ماذا يفعل عندما لا يجد الإجابة جاهزة أمامه.
نحن لا نريد طالبًا “بيجادل وخلاص”.
ولا نريد طالبًا “بيسمع الكلام وخلاص”.
نريد طالبًا يعرف: متى يسأل؟ومتى يعترض؟
وكيف يختلف؟ وكيف يقدم دليلًا؟وكيف يقترح بديلًا؟
وكيف يحول فكرته إلى تجربة؟
هذه ليست فوضى ، هذه تربية على التفكير.
والمعلومة لن تضيع ، على العكس.
كلما امتلك الطالب مهارات تفكير أفضل، أصبح قادرًا على التعامل مع المعرفة بصورة أعمق.
بدل أن يكون هدفه:
“أحفظ عشان الامتحان.”
يصبح:
“أفهم عشان أعرف أستخدم.”
وهنا ننتقل من تعليم المعلومة إلى تعليم ما يمكن للإنسان أن يفعله بالمعلومة.
وهذا، في رأيي، هو أحد التحديات الحقيقية أمام التعليم المصري.
ليس السؤال فقط:
كم معلومة يعرفها الطالب؟
بل:
ماذا يستطيع أن يفعل بهذه المعلومات؟
وأخيرًا يا سيادة الوزير…
لا تخافوا من الطالب الذي يقول: “ليه؟”
علّموه ماذا يفعل بعد أن يسأل.
لا تخافوا من الطالب الذي يختلف.
علّموه كيف يختلف باحترام ودليل.
لا تخافوا من الطالب الذي يقترح.
علّموه كيف يختبر اقتراحه.
– لا تخافوا من تعليم التفكير خوفًا من أن نصنع جيلًا يعترض على كل شيء.
إحنا أصلًا عندنا ناس كتير بتعترض ،اللي ناقصنا مش الاعتراض ، اللي ناقصنا إن اللي يعترض يعرف يبني.
يعرف يقول: “أنا مش موافق… وده السبب.”
ثم يكمل: “وده البديل.” ، ثم “وده النموذج اللي جربته.”
ثم “وده اللي اتعلمته من التجربة.”
– هنا فقط يصبح الاعتراض تفكيرًا، والتفكير بناءً، والبناء فعلًا.
وربما يكون هذا هو السؤال الذي يستحق أن نضعه أمام منظومتنا التعليمية كلها:
«هل نريد أن نعلّم أبناءنا الإجابة الصحيحة فقط، أم نريد أن نعلّمهم كيف يصنعون إجابات جديدة عندما تتغير الأسئلة؟»




