تنمية بشرية

سعى عبد الله تكتب .. العِشرة تربية… ولا تنسوا الفضل بينكم

بقلم: سهى عبدالله – 

هناك أخلاق لا نتعلمها من الكتب، وإنما نتعلمها من مواقف الحياة، ومن الطريقة التي نرى بها الكبار يتعاملون مع الناس.

ومن أجمل هذه الأخلاق الوفاء ، فالوفاء ليس أن تبقى العلاقة إلى الأبد، وليس معناه أن نتمسك بمن اختار الابتعاد، أو أن نقبل الأذى حتى نحافظ على العِشرة،

وإنما الوفاء أن نختلف دون أن نجحد، ونبتعد دون أن نؤذي، وننتهي من علاقة دون أن نمحو كل ما كان فيها من خير ،وهنا يأتي قول الله تعالى فى سورة البقرة :

﴿وَلَا تَنسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ﴾

أية عظيمة تصلح أن تكون منهجًا في العلاقات الإنسانية؛ لأن الإنسان قد يختلف مع شخص، وقد تنتهي علاقة، لكن ذلك لا يعني أن كل ما سبقها من معروف أصبح بلا قيمة.

✨ماذا يتعلم الطفل من طريقة تعاملنا مع الناس؟

الطفل لا يتعلم الوفاء عندما نقول له: «يجب أن تكون وفيًّا»، بقدر ما يتعلمه عندما يرانا نمارسه.

وهذا يتفق مع نظرية ألبرت باندورا في التعلم الاجتماعي،

التي تؤكد أهمية التعلم بالملاحظة والنمذجة؛

فالطفل يتعلم كثيرًا من السلوكيات والمواقف من خلال مشاهدة الأشخاص المؤثرين في حياته وتقليد ما يراه منهم

✨والوفاء لا يعني أن نعلّم أبناءنا التعلق ، وهنا نقطة تربوية مهمة ف نحن لا نريد طفلًا يعتقد أن عليه أن يستمر في أي علاقة مهما كان فيها من أذى، بحجة الوفاء أو العِشرة ،

بل نريد أن نعلّمه الفرق بين الوفاء وبين التعلق، وبين حفظ الجميل وبين قبول الإساءة ،، يمكنني أن أبتعد عن إنسان لأن العلاقة لم تعد صحية بالنسبة لي، لكنني لا أحتاج إلى تشويه صورته أو إنكار كل ما فعله من خير ، كما يمكنني أن أضع حدودًا، دون أن أتحول إلى شخص جاحد

✨ وهذا من النضج الذي نريد أن نزرعه في أبنائنا.

و من الأخطاء التي قد نرتكبها في التربية أن نجعل الطفل يرى الناس من خلال آخر موقف حدث بينهم فإذا اختلفنا مع شخص أصبح سيئًا في نظرنا ، وإذا ابتعد عنا أصبح «لا يستحق» ،وإذا أخطأ مرة نسينا كل ما فعله من قبل.

وهذا التفكير إذا ترسخ في الطفل، قد يكبر وهو يقطع علاقاته بسهولة، وينكر الجميل بمجرد حدوث خلاف ، لذلك نحتاج أن نقول له:«ليس معنى أن فلانًا أخطأ معك أن كل ما فعله من أجلك أصبح بلا قيمة.»

ويمكن أن نقول: «نحن لا نقبل الخطأ، لكننا أيضًا لا ننكر المعروف.»

✨هذه الجملة البسيطة تبني لدى الطفل قدرة مهمة جدًا: أن يرى الإنسان بصورة متوازنة، لا بصورة أبيض أو أسود.

وربما أجمل ما يمكن أن نتركه في أبنائنا ليس أن يعرفوا كيف يكسبون الناس فقط، وإنما أن يعرفوا كيف يحفظون الجميل ،

و أن يعرف الطفل أن الحياة فيها أشخاص سيبقون، وأشخاص سيرحلون، وعلاقات ستتغير، لكن أخلاقه لا ينبغي أن تتغير مع كل علاقة ، ان العِشرة ليست عقدًا يُلزم الناس بالبقاء معًا، لكنها أمانة أخلاقية تعلمنا أن نعترف بالخير حين كان موجودًا.

✨ختاماً

لتربية الحقيقية ليست أن نربي أبناءنا على أن يحبوا الجميع، فهذا ليس ممكنًا، وإنما أن نربيهم على ألا يتحول اختلافهم مع الآخرين إلى جحود، أو إساءة، أو إنكار للفضل.

فقد يبتعد الناس…

وقد تتغير العلاقات…

وقد تنتهي بعض الحكايات…

لكن يبقى الإنسان قادرًا على أن يقول:

«ولا تنسوا الفضل بينكم.»

وهنا نكون قد ربّينا طفلًا لا يعرف فقط كيف يعيش مع الناس، بل يعرف أيضًا كيف يحفظ إنسانيته عندما يختلف معهم.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى