نفوس – أخطاء القلوب في تحديد المسافة الآمنة
بقلم/ ضياء عويس
أحيانًا لا نخطئ في اختيار الأشخاص، بل نخطئ في تحديد المسافة التي يجب أن تكون بيننا وبينهم.
هناك أشخاص يدخلون حياتنا، فنفتح لهم الباب كله. نعطيهم وقتنا، وطاقتنا، وأسرارنا، ومشاعرنا، ونظل نقترب أكثر، لأننا نظن أن القرب دليل المحبة، وأن الطيبة تعني أن نظل متاحين دائمًا.
لكن القلب لا ينتبه دائمًا إلى أن لكل علاقة مسافة صحية، وأن بعض الأبواب إذا ظلت مفتوحة بلا حدود، قد يدخل منها الحب فعلًا، لكن قد يدخل معها الاستنزاف أيضًا.
كان رجلًا طيبًا بطبيعته، يحب أن يكون موجودًا عندما يحتاجه الآخرون. إذا اتصل به صديق في أمر عاجل، ترك ما في يده وذهب.
وإذا طلب منه أحد خدمة، لم يكن يحب أن يرده. وإذا جلس مع شخص مهموم، استمع إليه طويلًا، وحاول أن يجد له حلًا.
وكان يشعر بالرضا عن نفسه كلما استطاع أن يقول: «أنا موجود».
مع الوقت، أصبح وجوده مطلوبًا أكثر فأكثر.
صديق يحتاج مشوارًا، وقريب يريد خدمة، وزميل يحتاج مساعدة، وشخص لا يتذكره إلا عندما تضيق به الدنيا.
وكان الرجل يستجيب للجميع تقريبًا، ليس لأنه مجبر، ولكن لأنه لم يتعلم أن يضع حدًا واضحًا بين المحبة وبين استنزاف نفسه.
كان يقول لنفسه:
«معلش… دي حاجة بسيطة.»
ثم جاءت حاجة أخرى.
ثم أخرى.
ثم أخرى.
حتى أصبحت الأشياء الصغيرة كثيرة، وأصبح يومه ممتلئًا بمشكلات الآخرين، بينما الأشياء التي تخصه هو تتأجل دائمًا.
كان يؤجل راحته، ويؤجل بيته، ويؤجل وقته، ويؤجل حتى الأشياء التي يحبها، لأن هناك دائمًا شخصًا آخر يحتاجه.
وفي إحدى الليالي، عاد إلى بيته متعبًا بصورة لم يعتدها.
جلس وحده، ولم يكن لديه حتى رغبة في الكلام.
نظر إلى هاتفه، فوجد عشرات الرسائل التي لم يرد عليها. اتصالات فائتة، وطلبات، وأسئلة، ومواعيد، وأشخاص ينتظرون منه شيئًا.
وفجأة شعر بشيء لم يشعر به من قبل.
لم يكن غاضبًا من الناس.
كان فقط… منهكًا.
منهكًا إلى درجة أنه لم يعد يعرف ماذا يريد هو.
وهنا بدأ السؤال الذي غيّر نظرته إلى علاقاته:
هل أنا طيب فعلًا، أم أنني أخطأت حين جعلت نفسي متاحًا للجميع؟
لم يكن التحول في شخصيته قرارًا مفاجئًا، ولم يستيقظ في اليوم التالي ليقرر أن يصبح قاسيًا.
لقد بدأ التحول عندما اكتشف أن الاستمرار بالطريقة نفسها سيجعله يخسر نفسه، حتى لو ظل الجميع راضيًا عنه.
وهنا تأتي أهمية فهم دوائر العلاقات الإنسانية.
في علم النفس الاجتماعي، يرتبط اسم روبن دنبار بتصور معروف عن الدوائر الاجتماعية، حيث لا تكون علاقات الإنسان كلها على الدرجة نفسها من القرب والحميمية والالتزام. فهناك دوائر متعددة، وكل دائرة لها مقدار مختلف من الوقت والثقة والطاقة التي يمنحها الإنسان لمن فيها.
المعنى الأهم ليس الأرقام، وإنما إدراك أن ليس كل شخص في حياتك يجب أن يكون قريبًا منك بالدرجة نفسها.
هناك شخص يستحق أن يعرف ضعفك.
وشخص يستحق ثقتك.
وشخص يستحق احترامك ومساعدتك.
وشخص يكفيه منك الود.
وشخص آخر ربما تحتاج أن تضع بينك وبينه حدودًا واضحة حتى لا تتحول العلاقة إلى استنزاف.
لكن أخطاء القلوب تبدأ عندما نضع الجميع في المكان نفسه.
نعطي شخصًا عابرًا ثقة صديق قديم.
ونمنح شخصًا كثير الطلبات طاقتنا كلها.
ونشعر بالذنب عندما نقول «لا».
وفي الوقت نفسه، قد نهمل شخصًا صادقًا لأنه لا يطلب شيئًا، فنظن أن هدوءه يعني أنه لا يحتاجنا.
جلس الرجل بعد ذلك يراجع علاقاته واحدة واحدة.
لم يسأل فقط: من أحب؟
بل سأل:
من يسأل عني دون أن يحتاج شيئًا؟
من أشعر معه بالأمان؟
من أستطيع أن أقول له «لا» دون خوف؟
من يفرح لفرحي؟
ومن لا يتذكرني إلا عندما يحتاجني؟
ومن أخذ مني أكثر مما أستطيع؟
ومن أهملته أنا، رغم أنه كان يستحق مني اهتمامًا أكبر؟
وبدأ يكتشف أشياء لم يكن يريد أن يراها.
اكتشف أن بعض الأشخاص لم يكونوا يستغلونه عمدًا، لكنه هو الذي عودهم أن يجدوه متاحًا في كل وقت.
واكتشف أن بعض العلاقات كانت تحتاج فقط إلى حدود.
واكتشف أيضًا أن هناك أشخاصًا طيبين وصادقين لم يمنحهم الاهتمام الكافي، لأنهم لم يكونوا يضغطون عليه مثل الآخرين.
وهنا فهم شيئًا مهمًا:
إعادة ترتيب العلاقات لا تعني أن تكره الناس، بل أن تعرف مكان كل إنسان في حياتك.
أن تقول لمن تحبه: «أنا معك، لكنني لا أستطيع أن أفعل هذا الآن».
أن تقول لشخص يستنزفك: «أحتاج إلى مساحة».
وأن تعود إلى شخص أهملته وتقول له: «سامحني، كنت منشغلًا بمن يطلبونني، ولم أنتبه لمن يحبونني في هدوء».
ومع الوقت، لم يتغير الرجل إلى شخص قاسٍ.
ظل طيبًا.
وظل يساعد الناس.
وظل يحب أن يكون سندًا.
لكنه لم يعد يرى أن الطيبة تعني أن يترك نفسه آخر القائمة.
تعلم أن يقول «لا» دون أن يشعر بأنه شخص سيئ.
وتعلم أن المساعدة اختيار، وليست التزامًا دائمًا.
وتعلم أن القرب مسؤولية، وأن الثقة ليست شيئًا يمنح للجميع بالدرجة نفسها.
وأجمل ما اكتشفه أنه عندما وضع الحدود، لم يخسر كل من حوله كما كان يخشى.
بعضهم احترمه أكثر.
وبعضهم اقترب منه بطريقة أكثر صحة.
وبعضهم ابتعد.
وكان ابتعاد البعض مؤلمًا، لكنه كان أيضًا كاشفًا؛ فقد اكتشف أن بعض العلاقات لم تكن قائمة على وجوده هو، بل على سهولة الوصول إليه.
الخلاصة الإنسانية
لا تجعل طيبتك سببًا في استنزافك.
ولا تجعل خوفك من أن يقال عنك «تغيرت» يجبرك على البقاء في المكان الذي يؤذيك.
أحب الناس، وساعد من تستطيع، وكن سندًا لمن يحتاجك، لكن تذكر أنك أيضًا إنسان تحتاج إلى الراحة، وإلى الوقت، وإلى مساحة تخصك.
ليس كل من يحتاجك يستحق أن يكون قريبًا منك.
وليس كل من تحبه يحتاج أن تمنحه كل شيء.
وليس وضع الحدود خيانة للمحبة.
أحيانًا تكون الحدود هي الطريقة الوحيدة التي تحمي بها المحبة من أن تتحول إلى ألم.
فأخطاء القلوب ليست دائمًا فيمن نختارهم…
أحيانًا تكون في المسافة التي سمحنا لهم أن يصلوا إليها.




