ثقافة وفن

بين الشك والمجهول حكاية العقل الذي وزَن الهواء وحطّم الأفلاك

فجر اليوم

بين الشك والمجهول حكاية العقل الذي وزَن الهواء وحطّم الأفلاك

بقلم: الكاتب محمد سعيد اللبانى

 

مقدمة:

في ليلةٍ قمرية على أطراف صحراء خرسان، كان الليل يُرخي يظهر جماله بينما تشتعل ألسنة النيران في موقدٍ صغير. المشهد يحمل دفئاً غريباً: رجلٌ يرتدي عمامةً وجبةً صوفية بسيطة، يمسك بخارطة كروية للأرض ويخطّ عليها خطوطاً دقيقة بفرجار ناعم، وبجواره رجلٌ آخر، بقبعة كلاسيكية وعينين حادتين خلف نظارتين طبقتين، يقلّب بين يديه بكتلة من الحديد ويعيد وزنها في أوانٍ مملوئة بالماء.

لو سألت حكيم تلك العصور عن هذا الثنائي، لقال لك إن الأول هو أبو الريحان البيروني، الذي علمنا كيف نقيس طول الأرض ونزن معادنها بغير حاسب، وأن الثاني هو أنطوان لافوازييه، الذي أخرج الكيمياء من ظلمات السحر والأسطورة ليضعها تحت سكاكين الموازين الدقيقة.

المشهد الأول: وهم “العنصر الأول”

لم يكن البيروني بحاجة لمختبرات شاهقة ليثبت أن العالم ليس مجرد أربعة عناصر صماء (ماء، وتراب، وهواء، ونار) كما زعم أرسطو. فقط نظرة لافوازييه الذي كان يراقب تصاعد البخار من دورق زجاجي مغلق بتركيزٍ شديد.

البيروني:

(وهو يضع الفرجار جانباً ويشير إلى الشعلة)

“أتعلم يا أنطوان؟ قضيتُ عقوداً أتأمل في جبال الهند ومعادنها، وأقيس وزن كل جبل وكل حجر بالنسبة للماء. كان الناس قبلي يظنون أن النار شيء يُخلط بالمواد فيغير صفاتها بقدرةٍ خفية، أو أن المعادن ‘تنمو’ في الأرض كما تنمو الأشجار!”

لافوازييه:

(يبتسم ابتسامة واثقة ويُعدّل نظارته)

“يا للغرابة! عاش البشر قروناً يصدقون خرافة ‘الفلوجستون’.. يظنون أن المواد تحترق لأنها تفقد مادة سحرية خفية تسكنها! حتى حبستُ الهواء في أوانيّ صماء، وزنتُ المادة قبل الاحتراق وبعده، فكشفتُ سر اللعبة.. النار لا تضيف شيئاً غريباً، بل هي مجرد زواجٍ سريع بين المادة وعنصرٍ خفي في هذا الهواء الذي نتنفسه.. أسميته ‘الأكسجين’.”

المشهد الثاني: قياس ما لا يُرى

تطايرت شرارة من الموقد لتضيء الأوراق الممتدة بينهما، وشخصت عينا لافوازييه نحو الجداول الحسابية المعقدة المكتوبة بالخط العربي.

لافوازييه:

“تدهشني هذه الدقة يا أبا الريحان! كيف استطعت قبل سبعة قرون أن تحسب محيط الكرة الأرضية بكاملها بمدى بصرك فقط ومن فوق قمة جبل؟ دون أقمار صناعية ولا تلسكوبات!”

بين الشك والمجهول حكاية العقل الذي وزَن الهواء وحطّم الأفلاك

البيروني:

(يهز رأسه بتواضع العلماء)

“بالرياضيات يا صديقي.. بالشك والدقة. الجبل كان مسطرتي، وظل أفق الغروب كان زاويتي. العقل الذي لا يزن الأشياء بأسلوب رياضي صارم يظل أسيراً للأوهام. كما قيستُ أنت الكتلة في معملك ولم تسمح لذرة غبار واحدة أن تضيع، قستُ أنا حركة الفلك ولم أسمح لخطأ واحد أن يمر دون تمحيص.”

المشهد الثالث: قانون المادة والأثر

البيروني:

(يمسك بقبضة من التراب ويدعها تتساقط بين أصابعه)

“إن هذا العالم لا يفنى يا أنطوان.. الأشياء تتغير، تتفكك، تتحول من صورة إلى صورة، ولكن أصلها باقٍ بحكمة الله وقدرته. التراب يصير نباتاً، والنبات يصير جذوة، والجذوة تعود رماداً وهواءً.”

لافوازييه:

(يكتب بثقة على هامش المخطوطة)

“بالضبط! ‘لا شيء يُفقد، ولا شيء يُستحدث من العدم، كل شيء يتحول’. هذا هو القانون الذي يحكم كل تفاعل في هذا الكون. لم نبتكر القوانين يا أبا الريحان، نحن فقط أزحنا الغبار عن وجه الحقيقة.”

هامش صحفي:

انتهى الحوار المفترض بين حكيم خوارزم وصانع الكيمياء الحديثة في باريس. لكن الرابط الوثيق بينهما يبين أن العلم لا يعرف جغرافية محددة؛ إنه لغة الميزان والقياس الدقيق. عينٌ رصدت محيط الأرض من قمة جبل في الشرق، مهدت الطريق لعقلٍ في الغرب ليفهم سر الكتلة والحادة التي يتكون منها الكون!

*المصادر 

**( تنويه: الحوار الوارد في هذا المقال حوار أدبي من خيال كاتب المقال ، ولم يحدث لقاء حقيقي بين أبي الريحان البيروني (973–1048م) وأنطوان لافوازييه (1743–1794م)، إذ يفصل بينهما نحو سبعة قرون.

اما المصادر العلمية هى : �

١- أبو الريحان البيروني، تحديد نهايات الأماكن لتصحيح مسافات المساكن.

٢-أبو الريحان البيروني، الجماهر في معرفة الجواهر.

٣-أنطوان لافوازييه، رسالة في الكيمياء الأولية.

٤-جورج سارتون، مدخل إلى تاريخ العلوم.

٥-جيم الخليلي، رواد العلم: العصر الذهبي للعلوم العربية.

٦-الموسوعة البريطانية (مواد: أبو الريحان البيروني، أنطوان لافوازييه، قانون حفظ الكتلة).

 

بين الشك والمجهول حكاية العقل الذي وزَن الهواء وحطّم الأفلاك

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى