ثقافة وفن

حين يعتذر القلب …..تزهر الأرواح وداً

حين يعتذر القلب …..تزهر الأرواح وداً
كتبت : د / شيماء رفاعي

إنّ العلاقات الإنسانية كحديقةٍ غنّاء، لا تزهر إلا إذا سقيناها بماء التسامح، وسماد التفاهم، وجعلنا من التماس الأعذار جسراً نعبر به فوق أنهار سوء الفهم وظلال الشك.
فما أرقَّ قلوب البشر حين تُدرِك أن العذر لا يُسقِط الخطأ وحسب، بل يُعيد ترتيب الود في النفوس.
فالتماس الأعذار هو فن أن نرى بقلبنا قبل أن نرى بأعيننا، وأن نصغي لصوت الرحمة فينا بدلًا من ضجيج الغضب.
فكثيرًا ما يكون الخطأ كسحابةٍ عابرة تُظلِّل سماء المودة، فإن بادرنا بظن الخير، عادت السماء صافية مشرقة من جديد.
فحين ننظر إلى تصرّف من يهمنا أمره، فلننظر أولًا إلى مرآة نيّته؛ فما أجمل أن نغفر الزلل إذا عرفنا أن القصد لم يكن أبدًا جرحًا أو هدمًا، بل ربما كان تعبًا، أو سهوًا، أو انشغالاً ثقيلاً على الكتف.
فالنوايا البيضاء كثيرًا ما تُغلِّف أفعالًا تبدو لنا مُعتمة.
ولكي نُحسن التماس العذر، يجدر بنا أن نسترجع في ذاكرتنا المواقف التي جمعتنا بأحبّتنا؛ تلك اللحظات التي وقفوا فيها إلى جوارنا، وضحكاتهم التي بدّدت حزننا. فكما تحفظ الأرضُ ماء المطر لوقت الجدب، فلتحفظ قلوبنا مواقف الصفاء لوقت العتاب.
ولنجعل قلوبنا كمطرٍ رقيقٍ يروي أرضًا عطشى، لا كريحٍ عاصفةٍ تقتلع ما كان ثابتًا.
ففي التسامح نبل، وفي العفو سموّ، وفي التماس الأعذار حياةٌ جديدة للعلاقات التي كادت تذبل.
أحيانًا ننسى أن أقرب الناس إلينا بشرٌ مثلنا، يحملون همومًا خفية ووجعًا صامتًا ،منحهم العذر يعني أننا نمنح أنفسنا مساحةً للاعتراف بأننا أيضًا نخطئ ونحتاج يومًا إلى من يعذرنا. هو تبادل إنساني خالص يربطنا بروح الرقة والتواضع.
فالتماس العذر لا يعني تبرير الخطأ أو طمسه، بل أن نُمسك بالحقيقة بيد، ونمدّ يدنا الأخرى لتسند من زلّت قدمه.
فالعذر الصادق يقوم على التفاهم لا التواطؤ، وعلى الإصلاح لا الإهمال.
إنَّ التماس الأعذار بلسمٌ للقلوب المرهَقة، وسراجٌ ينير درب العلاقات في عتمة الخلاف. فلنحفظ في قلوبنا هذا النهج النبيل، ولنستخدمه جسرًا نعبر به دومًا نحو المحبة والتجدد، مهما عصفت بنا عواصف الأيام.

ومن هنا يبقى التماس الأعذار زهرةً نادرةً لا تُزهر إلا في حدائق القلوب الرحيمة؛ فهو لغةٌ صامتة يفهمها القلب قبل أن تنطق بها الشفاه، وهو وعدٌ بأن نرى الجميل في من نحب، حتى في لحظات تعبه وزلّاته.

فلنجعل من العذر معبراً فوق وديان الخلاف، ولنُحافظ على وهج الودّ في ليالي الجفاء. ففي نهاية المطاف، نحن جميعًا نسير في دروب الحياة مثقلين بما لا يُرى، ولن نجد ما يُخفف عنا سوى قلبٍ يعرف أن يغفر… ويدٍ تعرف أن تُلاطف ضعفنا الإنساني….وروح تدرك بأننا جميعاً بشر.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى