ثقافة وفن

دراما منسية (٢) عمرو ابن العاص

الفجر اليوم

دراما منسية (٢) عمر ابن العاص

بقلم: محمد ابوبكر 

( مجدي وهبة: عمرو بن العاص) (1983)… حين التقت الدراما التاريخية بكاريزما القيادة

في مطلع الثمانينيات، كانت الدراما التلفزيونية المصرية تعيش واحدة من لحظاتها الأكثر ثراءً، حيث تلاقت الرغبة المؤسسية في إنتاج أعمال كبرى مع طموح فني حقيقي لإعادة قراءة التاريخ عبر الشاشة الصغيرة. في هذا السياق، جاء مسلسل (عمرو بن العاص) (إنتاج 1983) بوصفه عملًا طموحًا، يسعى إلى تقديم شخصية إسلامية محورية شديدة التعقيد، لا باعتبارها أيقونة جامدة، بل بوصفها إنسانًا فاعلًا في التاريخ، محكومًا بالصراع والدهاء والاختيار.

المسلسل قصة وسيناريو وحوار طه شلبي، من إنتاج قطاع الشئون المالية والاقتصادية بالتعاون مع تلفزيون الإمارات العربية المتحدة – دبي – من تنفيذ شركة صوت القاهرة للصوتيات والمرئيات، وهي مؤسسة لعبت آنذاك دورًا أساسيًا في دعم الدراما التاريخية والدينية، كما كان المخرج الراحل عادل صادق منتجًا منفذًا ومخرجًا للعمل، في تجربة اتسمت بالانضباط والرهان على النص والأداء أكثر من الاستعراض البصري.

ما يمنح هذا المشروع دلالة خاصة هو طاقم العمل الضخم والحضور القوي لوجوه معروفة في الدراما المصرية والعربية:

مجدي وهبة في دور عمرو بن العاص، وهو الدور المحوري في العمل، وقد كان وهبة حينها من الممثلين الأقل ظهورًا في الأدوار التاريخية، لكنّه استطاع أن يجعل من هذه الشخصية تجربة تمثيلية لا تُنسى.

أحمد مظهر في دور أبو سفيان، الذي يمثل نموذجًا قويًا لشخصية تاريخية معاصرة داخل السرد، حاضرة بثقلها النفسي والدرامي.

شكري سرحان في دور هرقل، وهو حضور دائم العظمة على الشاشة.

يحيى شاهين في دور المقوقس، ومحمود المليجي في دور أسابير المصري، وهما اثنان من كبار الممثلين الذين يضفيان على العمل توازنًا دراميًا بين الجدية والعمق.

بالإضافة إلى أسماء أخرى كانت تُمثل روافد في صنع صورة متكاملة عن الحقبة التاريخية، من بطولة إلى أدوار ثانوية تتقاطع جميعها في بناء عالم متشابك من العلاقات والتفاعلات الإنسانية داخل الحكاية.

هذا الجمع بين رموز التمثيل في مصر لم يكن فقط اضطرارًا إنتاجيًا، بل كان رهانًا على ثقل الأداء في تقديم المقروء تاريخيًا بوصفه مشهدًا حيًا على الشاشة.

ورغم هذا الزخم، يظل الأداء الذي خطف الانتباه وأثار النقاش حتى اليوم هو أداء الفنان الراحل مجدي وهبة في تجسيد شخصية عمرو بن العاص. 

قدّم وهبة، على امتداد أعماله، شخصيات تمتلك نفوذًا وتأثيرًا وكاريزما، لكنها غالبًا ما كانت تنتمي إلى نطاق الحارة المصرية أو الطبقة الوسطى في مستوياتها العليا: زعيم محلي، رجل صاحب كلمة مسموعة، شخصية تتحكم في محيطها الاجتماعي وتدير صراعاته اليومية بدهاء وخبرة.

غير أن دور عمرو بن العاص يمثل قفزة نوعية في هذه المسيرة، لا مجرد امتداد لها. الفارق هنا أن القيادة لم تعد محلية أو اجتماعية، بل تاريخية كبرى، ذات أثر ممتد في مصير مصر والمنطقة، وشخصية تحمل في ذاتها جدلًا مستمرًا في التاريخ الإسلامي كله.

عمرو بن العاص… الشخصية والجدل

المسلسل لا يقدّم عمرو بن العاص بوصفه “فاتح مصر” فقط، بل يشتبك مع شخصيته المركبة: السياسي، القائد العسكري، الداهية، وصاحب القدرة الفريدة على قراءة موازين القوى والتحرك داخلها. هذه التركيبة وجدت في مجدي وهبة ممثلًا قادرًا على تجسيدها بلا خطابة زائدة ولا تبسيط مخل.

أداء وهبة اتسم بالاقتصاد والصرامة، وباستخدام واعٍ للصوت ونبرة الحديث ونظرات العين، ليصنع شخصية تعرف متى تصمت أكثر مما تتكلم، ومتى تحسم قرارها دون تردد. وهنا تحديدًا تتجلى كاريزما القيادة بمعناها العميق: القدرة على الإقناع لا عبر القوة، بل عبر الحضور.

مقارنة لا بد منها

لا يمكن الحديث عن هذا العمل دون الإشارة إلى وجود عمل درامي آخر تناول شخصية عمرو بن العاص، قام ببطولته نور الشريف، والذي قدّم –كعادته– أداءً شديد الذكاء والحساسية. غير أن المقارنة بين التجربتين لا تأتي لصالح أحد على حساب الآخر، بل تكشف عن اختلاف في المقاربة.

نور الشريف قدّم عمرو بن العاص من زاوية الإنسان المفكّر، المتأمل، صاحب الأسئلة الداخلية.

أما مجدي وهبة، فقد قدّمه بوصفه قائدًا عمليًا، ابن واقع سياسي وعسكري شديد القسوة، يعرف أن التاريخ لا يُصنع بالنوايا وحدها، بل بالقرارات الصعبة.

لهذا، يمكن القول إن دور عمرو بن العاص شكّل علامة فارقة في مسيرة مجدي وهبة، ليس فقط لأنه دور بطولة تاريخية، بل لأنه نقل صورته التمثيلية من إطار القيادة الاجتماعية المحدودة إلى فضاء القيادة التاريخية ذات البصمة الكبرى.

الدراما التاريخية والتلفزيون المصري

يأتي هذا المسلسل ضمن مرحلة كان فيها التلفزيون المصري يراهن بوضوح على الدراما التاريخية والدينية كجزء من مشروع ثقافي أوسع، سبق هذه المرحلة بأعمال مشابهة، وتلاها أيضًا محاولات أخرى، لكنها لم تحافظ جميعها على المستوى نفسه من الجدية الفنية.

في (عمرو بن العاص)، يتبدّى هذا الرهان في الحرص على النص، وضبط الإيقاع، والاعتماد على الممثل أكثر من الزخرفة، وهي سمات باتت نادرة لاحقًا مع تغيّر مناخ الإنتاج وأولوياته.

فعلى خلاف الكثير من الأعمال التي تختزل الشخصيات التاريخية في لحظات بطولية منفصلة، فإن هذا المسلسل يقدم عمرو بن العاص شخصًا يتحوّل تدريجيًا عبر زمنه الاجتماعي والتاريخي: من نشأته ومعارضته للإسلام والمسلمين، إلى التحوّل الداخلي نحو الإيمان والمشاركة الفاعلة في نشر الرسالة وإدارة الحملات، وصولًا إلى فتح مصر وتثبيت حضوره فيها على أرض الواقع.

العمل لا ينجرف في التمجيد الآلي أو الطرح المباشر فقط؛ بل يقدم شخصيات محورية أخرى – مثل أبو سفيان وهرقل والمقوقس وأسابير المصري – ليسوا مجرد خصوم أو حواشي، بل نماذج إنسانية ذات امتدادات نفسية واجتماعية، تساعد على قراءة أوسع للسياق التاريخي، وتحوّلات النفوس داخل المشهد الأكبر.

بهذا البناء، يتعامل العمل مع التاريخ بوصفه فضاءً دراميًا حقيقيًا، لا مجرد توثيق لوقائع أو سرد لحظات بطولية منتزعة من سياقها النفسي والإنساني.

(عمرو بن العاص) ليس مجرد مسلسل تاريخي عُرض في مطلع الثمانينيات، بل هو شاهد على لحظة درامية كانت تؤمن بأن التلفزيون يمكن أن يكون مساحة للمعرفة والتأمل، لا مجرد وسيلة للتسلية. وهو أيضًا عمل يعيد الاعتبار لمسيرة فنان مثل مجدي وهبة، ويضعه في موقعه المستحق كممثل قادر على تجسيد القيادة في أكثر صورها تعقيدًا وعمقًا. 

في زمن تُنسى فيه الأعمال بهدوء، تظل بعض الدراما في حاجة دائمة إلى من يزيح عنها غبار النسيان… فقط لأنها كانت، ولا تزال، جديرة بالتذكّر.

دراما منسية (٢)

دراما منسية (٢) عمر ابن العاص

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى