ثقافة وفن

رؤية الكاتب بهاء المري للمجموعة القصصية راحل في زوايا السنين

رؤية الكاتب بهاء المري للمجموعة القصصية راحل في زوايا السنين للكاتبة / وفاء أبو السعود  

تقديم

بقلم الكاتب / بهاء المري

في مجموعة: «راحلٌ في زوايا السنين»، نلتقي بعالم إنسانيٍّ رَحب تتهادى فيه الحكايات كنسمة صيف رقراقة، كلٌّ منها زاوية مضيئة بألمها، ناعمة بصدقها، نابضة بمعنى وجودي لا يزول.

هنا لا نقرأ قصصًا فحسب، بل نقرأ الإنسان ذاته، في ضعفة وقوّته، في فقده وحنينه، في بحثه الدائم عن معنى البقاء بعد أن يُغادر كلُّ ما يحب.

هذه المجموعة القصصية..  لا تُقرأ على عَجلة، لأنها تفتح أبواب القلب قبل أبواب العقل، وتدعونا إلى تأمل الإنسان في لحظاته الأكثر هشاشةً وصدقًا. قصصٌ تكتُب  ما لا يُقال، وتستمع إلى الأصواتِ الخافتة التي تهمس من أعماق الوجع الإنساني.

منذ القصة الأولى

“راحلٌ في زوايا السنين

التي حملت عنوان المجموعة، يتجلى وعي الكاتبة العميق بالزمن بوصفه كائنًا حيًّا، يرحلُ بنا كما نرحل فيه. هنا لا تُسرَد الوقائع فحسب،

بل تُصغي إلى صوت الوجع الإنساني وهو يتسلل بين تفاصيل الحياة اليومية؛ وجع الأب الذي يعود من غيابه ليكتشف أن الحياة لم تتوقف بعد رحيله،

وأن الذين وهبَهم عُمره قد واصلوا السَير من دونه، في مشهدٍ يُلخصُ مأساة الإنسان مع النسيان، ويختصر فلسفة المجموعة كلها في عبارتها الخالدة:

«لقد أدرك أخيرًا أن الدنيا لا تحفظ للراحلين سوى العناوين، أما الحكايات فتموت معهم في زوايا السنين».

كلُّ الأصوات في المجموعة تتوحد  في نَغمةٍ واحدة:

هي نَغمة الإنسان حين يواجه قَدَره

بصمتٍ مُتعبٍ

وكرامةٍ صامتة.

في قصتها «من بين أنفاس الرحيل»

نلمس الصراع بين الضعف والأمل، حيث المرض يتحوّل إلى رحلة في معنى الصبر والإيمان. وفي

«سَيف العِشق المسموم» يتجلّى الجانب المظلم من النفس البشرية، حين يتحوّل الحب إلى هوَسٍ قاتل، والعاطفة إلى سيفٍ يطعن باسم العشق.

أما «عين تَضحك وأخرى تبكي»

فتبرز ذروة الوجدان الإنساني، في قصة أمٍّ مصريةٍ تجمع بين فخر الشهادة ومرارة الفَقد، لتصبحَ رمزًا لكلِّ أمٍّ تحمل على كتفيها قدر وطنٍ بأكمله.

وفي «ذاكرة النسيان»،

تبلغ الكاتبةُ قمّة الرمز والإيحاء، حين تجعل من قطعة أثاثٍ «النيش» مرآةً للحياة التي تُستهلك ثم تُنسَى، في استعارةٍ بديعة عن مرور الزمن وذبول الأشياء التي كانت يومًا من بريق العمر.

ويأتي الخاتم المضيء في «بنت بكرة» ليمنح القارئ جرعة من الضوءٍ الدافئ، حيث تتحوّل الابنة المنتَظَرة إلى وعدٍ إلهي بالحياة، وامتداد للأمل في وجه الشيخوخة والمرض والفناء.

لغة الكاتبة رشيقة وشاعرية بلا تكلّف، ممتلئة بالصدق والدفء. تمزج بين الرِّقة والقوة،

وتمنح المشهد بُعده الحسِّي والوجداني معًا. فهي لا تصف المشاعر فحسب، بل تجعل القارئ يشعر بها،

وتُحوِّلُ التفاصيل اليومية البسيطة إلى صُور ذات عُمق إنساني كبير، لتصبح الحكاية مرآةً للروح.

ورغم امتداد ظلال الفقد والرحيل في معظم القصص، فإن النهايات لا تترك القارئ في العَتمة؛ فالألم هنا ليس انكسارًا، بل تطهير، وليس استسلامًا، بل وعي بالمعنى الكامن وراء التجربة.

“راحلٌ في زوايا السنين” ليست مجرد مجموعة قصصية،

راحل في زوايا السنين
راحل في زوايا السنين

بل سيرة وجدانية لعالَم يرحل كل يوم ويظل يبحث عن ذاته بين الركام. كل قصة تبدو كمرثية صغيرة لعمر مَضى، أو صلاة خافتة لحلم لم يكتمل،

لكنها في مجموعها تشكّل نسيجًا من الحكمة والحنين والصفاء.

إنها كتابة تفيض بالصدق، تُعيد إلى القصة القصيرة وهَجها الإنساني الأصيل،

حيث يُصبح الأدب مرآةً للروح، ومأوىً للذاكرة، وعزاءً للذين يمضون في صمتٍ تاركين وراءهم حكاياتٍ لا تموت. وسيرة وجدانية لجيلٍ بأكمله عاش التحولات وخبَر الفَقد، وتعلّم كيف ينهض من تحت الركام بابتسامةٍ مبلّلة بالدموع.

هكذا تمضي الكاتبة بين الزوايا، ترثي ما رحل، وتُبقي على ما لا يموت: إيمانُ الإنسان بنفسه، وبأن الحكايات، مهما صغرت، هي ما يُبقي الذاكرة حيّةً في زوايا السنين. لتقول لنا في النهاية:

إن الراحلون لا يغيبون حقًا بل يبقون ما بقيت الكلمة.

لمزيذ من المقالات

راحل في زوايا السنين.. ملحمة إنسانية بطلها الغياب

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى