صراع الخير والشر ورحلة البحث عن الذات
صراع الخير والشر ورحلة البحث عن الذات
بقلم / وفاء أبو السعود
هكذا بدأت القصة منذ الجزء الأول… صراعٌ أزليٌّ ممتدّ منذ بدء الخليقة
وحتى قيام الساعة، بين قوى النور وقوى الظلام، بين الخير والشر.
وبين هذا وذاك تبدأ وتنتهي رحلة الإنسان، منذ ميلاده وحتى وفاته.
أيهما يسبق الآخر؟ الخير أم الشر؟
وأيهما يسيطر على الآخر؟
هنا يتجلى الاختيار… إرادةٌ خالصة أودعها الله داخل كل إنسان على وجه الأرض.
عن مسلسل المداح أتحدث؛ ذلك العمل الذي عُرض في شهر رمضان على مدار ستة أجزاء متتالية، في سابقةٍ قلّما نشهدها في هذه الفترة التي اتجهت فيها الدراما إلى المسلسلات القصيرة ذات الخمسة عشر يومًا أو العروض الأسبوعية. فما الذي ميّز هذا العمل ليحتل هذه المكانة؟
تصدّى لكتابته كلٌّ من ( امين جمال و وليد ابو المجد وشريف يسري ) وهم الفريق الرئيسي الذي حمل على عاتقه معالجة قضية الصراع الأزلي، ومرّر من خلالها العديد من الرسائل الفكرية في صور درامية، ساعيًا إلى توظيف الفن كأداة لطرح أسئلة وجودية عميقة حول الإنسان والإيمان والقدر.

نجح العمل في المزج بين الموروث الشعبي والطرح الروحي المعاصر، مقدّمًا تجربة درامية تثير التساؤل أكثر مما تقدّم إجابة. كما حمل إسقاطات واضحة على واقعنا المعاصر، وما يشهده العالم من انتشار ثقافة “الترند” وتصدّر التفاهات للمشهد، واستغلال التكنولوجيا في هدم القيم وطمس الهوية، وقتل القدوة، ووأد العلم وانتشار الخرافة وإضعاف الرسائل العلمية،
وصناعة مستقبلٍ مرتبك يقوم على زعزعة النفوس وطمس الحقائق والدفع الدائم نحو المجهول.
اختير “المداح” – الذي جسّد شخصيته الفنان – حماده هلال – ليكون جنديًا في مواجهة الشر، سلاحه الإيمان الراسخ والوعي. لكنه، رغم صراعه الخارجي مع قوى الظلام، كان يخوض صراعًا داخليًا أشد وطأة؛ صراع البحث عن الذات، وعن إيمانه الشخصي والأسري، وعن يقينه وسط العواصف.
وضع مؤلفو العمل المتلقي في مواجهة مباشرة مع الموروثات الشعبية المتعلقة بالجن والعالم الخفي، مستكشفين تأثير تلك المعتقدات على الوعي المجتمعي، وطارحين سؤالًا جوهريًا:
أين ينتهي الإيمان؟ وأين تبدأ الأسطورة؟
كما ركّز المسلسل على خوف الإنسان من المجهول، وعلى الجهل الروحي، وعلى الرغبة في استمرار الحياة ولو استندت إلى وهمٍ أو كذبة، مهما كانت التضحيات ومهما كانت الخسائر. وناقش فكرة استغلال الدين للتأثير على البشر وتوجيه أفكارهم ومعتقداتهم وقراراتهم، واستخدام السلطة للهيمنة على الآخرين.
طرح العمل كذلك إشكالية شديدة الحساسية: كيف يحافظ الإنسان على إيمانه وسط هذا الكم من الفوضى والعبث والالتباس؟ وكيف يقف ثابتًا على الحد الفاصل بين الإيمان والشك، وبين القوة والضعف؟
وهل الهِبة الإلهية نعمة خالصة، أم اختبار ثقيل؟
قد نتفق مع أحداث المسلسل أو نختلف، لكن لا يمكن إنكار أنه أثار جدلًا واسعًا. حيث ظهر الخلط أحيانًا بين النصوص الدينية الصريحة والمعتقدات الشعبية، ومنح فكرة التعامل مع الجن حضورًا مبالغًا فيه، وكأنها واقع ملموس لا يحتمل التأويل.
كما أن امتداد العمل إلى ستة مواسم أوجد قدرًا من التشابه في الصراعات، وتكرار نمط المواجهة بين البطل وقوى الشر، مع إطالة بعض الأحداث ووجود خلط بين الواقعي والمتخيَّل. وتحول البطل تدريجيًا إلى شخصية شبه أسطورية، مع بطء في الإيقاع في بعض الحلقات وتكرار مشاهد التمهيد قبل الذروة الدرامية.
كان هذا عرضًا موجزًا لسلسلة المداح؛ عملٌ ترك أثرًا، سواء كان إيجابيًا أم سلبيًا.
لكن يبقى أن الخطر الحقيقي لا يكمن في مواجهة الجن أو ما وراء الطبيعة، بل في مواجهة الإنسان لمخاوفه، وفي قدرته على الوقوف أمامها بثبات.
فالشر الحقيقي ليس دائمًا خارجنا…
بل قد يسكن في دواخلنا، في لحظة ضعف، أوفي غفلة يقين



