ثقافة وفن

ضياء عويس يكتب .. نفوس – حب أم تعلّق؟

هل تخشى فقد شريكك أم تخشى فقد أسلوب الحياة معه؟

كانت تبكي منذ أيام. لم تكن تلك المرة التي تبكي فيها امرأة ثم تمسح دموعها وتعود إلى يومها، فقد كان الحزن قد استقر في عينيها، وأخذ من وجهها شيئًا من ملامحه، ومن جسدها كثيرًا من وزنه، حتى صار من يراها يشعر أن شيئًا بداخلها قد انطفأ.

كانت تنظر إلى هاتفها طويلًا، ثم تضعه جانبًا، ثم تعود إليه من جديد، وكأنها تنتظر رسالة تعرف في أعماقها أنها لن تأتي.

دخل أبوها عليها ذات مساء، فتوقف عند الباب قليلًا وتأملها دون أن يتكلم، ثم اقترب وجلس إلى جوارها.

قال: «لماذا تفعلين بنفسك كل هذا؟»

رفعت عينيها إليه، وكان في عينيها من الانكسار ما يغني عن الإجابة.

قالت: «لقد وصلنا إلى النهاية يا أبي».

سألها: «ماذا قال لك؟»

سكتت لحظات، وكأنها تخشى أن تنطق بالكلمات مرة أخرى، ثم قالت: «قال لي: أنا أحبك، وأقدّر كل ما بيننا، لكنني أدركت أن قصتنا انتهت.

الطريق بيننا  لم يكن طريقًا واحدًا. نحن يا سيدتي وصلنا إلى النهاية».

ثم غلبتها دموعها.

قالت: «لكنه يحبني يا أبي… كيف يحبني ثم يتركني؟»

ظل أبوها صامتًا. لم يكن يريد أن يعطيها الإجابة السهلة التي يقولها الناس عادة: «انسَيْه». فهو يعرف أن بعض الكلمات سهلة على من ينطقها، لكنها ثقيلة جدًا على من يحملها في قلبه.

قال بعد لحظة: «ربما كان يحبك فعلًا».

نظرت إليه بدهشة.

قالت: «إذن لماذا تركني؟»

قال: «لأن الحب ليس دائمًا هو السؤال الوحيد».

ثم أردف: «أحيانًا يحب الإنسان شخصًا بصدق، ثم يكتشف أن الحب وحده لا يكفي ليصنع حياة يستطيع الطرفان أن يعيشاها».

ثم نظر إليها وقال: «وهنا يجب أن نفرق بين شيئين يختلطان علينا كثيرًا: الحب والتعلّق».

قال: «الحب يقول: أنا أحبك، وأتمنى أن أكون معك. أما التعلّق فيقول: لا أستطيع أن أكون بخير من دونك».

وهنا تختلف المسألة كلها. ففي الحب، يكون الإنسان عزيزًا عليك،

أما في التعلّق فقد يصبح الإنسان مسؤولًا عن طمأنينتك.

وفي الحب تشتاق إلى شخص، أما في التعلّق فقد تخاف الفراغ الذي سيتركه غيابه أكثر مما تشتاق إلى شخصه.

خفضت رأسها.

قالت: «لكنني لا أستطيع أن أتخيل حياتي من دونه».

ابتسم أبوها بحزن.

قال: «وهذه بالضبط هي الجملة التي أريدك أن تتوقفي أمامها».

ثم سألها: «هل تحبينه هو؟ أم تحبين الحياة التي كنت تتخيلينها معه؟»

لم تجب.

قال: «أحيانًا لا نفقد الإنسان وحده عندما تنتهي العلاقة.

نفقد البيت الذي تخيلناه، والأيام التي رسمناها، والمستقبل الذي بنيناه في خيالنا،

وحتى النسخة من أنفسنا التي كنا نراها إلى جواره. ولهذا يكون الفراق مؤلمًا إلى هذا الحد. نحن لا نبكي شخصًا فقط، بل نبكي حياة كاملة كنا نظن أنها ستأتي».

قالت: «لكنه كان يحبني».

قال: «وأنا لا أشك في ذلك. لكن اسألي نفسك سؤالًا أصعب».

قال: «لو عرفتِ اليوم أنه لن يكون لكِ أبدًا، هل ستظلين تتمنين له الخير؟

هل ستفرحين لنجاحه، حتى لو كان بعيدًا عنك؟

هل ستتمنين أن يعيش مطمئنًا، حتى لو لم تكوني أنت المرأة التي تشاركه تلك الطمأنينة؟

هل تستطيعين أن تقولي: كنت أتمنى أن تكون لي، لكنني ما زلت أتمنى أن تكون بخير؟»

طال صمتها.

قال أبوها: «إذا استطعتِ مع الوقت أن تتمني له الخير دون أن تكون سعادته مشروطة بوجودك، فهذه علامة على أن حبك يتجاوز مجرد الخوف من فقده».

ثم تابع: «أما إذا أصبح داخلك يقول: إذا لم يكن لي فلا أريده، أو لا أريده أن يكون سعيدًا مع امرأة أخرى، فهنا لم يعد الحب وحده هو الذي يتكلم. هناك خوف، وهناك احتياج، وربما شيء من الامتلاك».

ثم أسرع يطمئنها قبل أن تفهم كلامه على أنه اتهام.

قال: «وهذا لا يعني أن حبك كاذب. فالغيرة طبيعية، والخوف من الفقد طبيعي، والحزن على من نحب طبيعي. لكن الخطر يبدأ عندما يتحول الشعور إلى سلوك؛ عندما يصبح الحب مراقبة، والسيطرة اهتمامًا، والامتلاك وفاءً، والانتقام دليلًا على قوة المشاعر».

قالت: «وهل تريدني أن أتوقف عن حبه؟»

هز رأسه.

قال: «لا. أنا لا أطلب منك أن تأمري قلبك بشيء لا يستطيع فعله. القلب لا يملك مفتاحًا نغلق به الحب متى شئنا. لكن العقل يستطيع أن يتعلم كيف يعيش مع هذا الحب دون أن يحوله إلى سجن».

قالت: «وكيف أفعل ذلك؟»

قال: «بأن تحبيه دون أن تملكيه. أن تشتاقي إليه دون أن تتوقفي عن الحياة. أن تتمني عودته دون أن تجعلي حياتك معلقة على عودته. وأن تحترمي اختياره، حتى لو كان اختياره هو أكثر الأشياء إيلامًا لك».

ثم نظر إليها طويلًا.

قال: «وتذكري شيئًا مهمًا: صدق الشعور لا يعني بالضرورة صلاحية العلاقة للاستمرار. قد يكون الحب حقيقيًا، لكن الطباع مختلفة. وقد يكون الاشتياق صادقًا، لكن طريقة الحياة لا تصلح أن تجتمع. وقد يكون شخصان صادقين في مشاعرهما، ومع ذلك لا يستطيعان أن يصنعا بيتًا واحدًا دون أن يؤذي أحدهما الآخر».

قال: «وهنا لا تصبح نهاية العلاقة دليلًا على أن الحب كان كذبًا. أحيانًا تكون النهاية اعترافًا مؤلمًا بأن ما نشعر به لا يكفي وحده».

كانت دموعها قد هدأت قليلًا.

سألت: «وماذا أفعل الآن؟»

قال: «لا تحاولي أن تنسيه اليوم. حاولي فقط ألا تنسي نفسك. احزني، لكن كلي. ابكي، لكن عيشي. اشتاقي، لكن لا توقفي حياتك. لا تجعلي شخصًا غادر حياتك يأخذ معه حياتك كلها».

ثم سكت قليلًا.

قال: «وربما يكون السؤال الذي تحتاجين إلى إجابته الآن ليس: كيف أستعيده؟ بل: كيف أستعيد نفسي؟»

لأننا أحيانًا نتمسك بالآخر بكل قوتنا، لا لأننا نريد الإنسان فقط، وإنما لأننا نخشى أن نفقد العالم الذي كان موجودًا معه. وهنا يصبح التعلّق أشبه بالخوف من الحياة بعده.

أما الحب الناضج، فلا يعني أنك لا تتألمين، بل يعني أن ألمك لا يسلبك إنسانيتك؛ أن تحزن دون أن تنتقم، وأن تشتاق دون أن تمتلك، وأن تتمنى القرب دون أن تلغي حرية الآخر، وأن تقول رغم كل ما في قلبك:

«كنت أتمنى أن تكون لي… لكنني ما زلت أتمنى أن تكون بخير».

ثم أضاف أبوها:

قال: «واعلمي أن من أصعب الأشياء في الحب أن تتمنى للإنسان الذي أحببته الخير، حتى عندما لا يكون هذا الخير معك».

كانت تنظر إليه، ولم تكن قد شُفيت بعد. لم تختفِ ذكرياته، ولم يتوقف قلبها عن الاشتياق، لكن شيئًا صغيرًا تغيّر في داخلها. للمرة الأولى منذ أيام لم تعد تفكر فقط في السؤال: «كيف أستعيده؟»

بدأ سؤال آخر يولد في داخلها:

«كيف لا أفقد نفسي وأنا أحاول ألا أفقده؟»

وربما تكون هذه هي اللحظة التي يبدأ فيها الإنسان في التمييز بين الحب والتعلّق.

فالحب يقول: «أتمنى أن تكون سعيدًا، وأتمنى أن أكون جزءًا من سعادتك».

أما التعلّق فيقول: «أريدك سعيدًا، بشرط أن أكون أنا سبب سعادتك».

وبين الجملتين… مسافة صغيرة في الكلمات، لكنها أحيانًا مسافة كاملة بين أن تحب إنسانًا، وأن تخشى الحياة بدونه.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى