ثقافة وفن

نفوس – أنت ترى هذه اللحظة… والله يعلم القصة كاملة بقلم : ضياء عويس 

نفوس - أنت ترى هذه اللحظة...

نفوس – أنت ترى هذه اللحظة… والله يعلم القصة كاملة

بقلم : ضياء عويس 

كان يجلس أمام النافذة في آخر الليل، والبيت من حوله هادئ، لكن رأسه لم يكن كذلك.

كان يعيد في ذهنه كل ما حدث، وكأنه يحاول أن يجد بين التفاصيل إجابة تمنحه بعض السلام.

لماذا حدث هذا رغم أنني فعلت كل ما أستطيع؟

لماذا تأخرت الإجابة رغم أنني دعوت الله طويلًا؟

لماذا فُتح أمامي طريق، ثم أُغلق فجأة؟

ولماذا أُخذ مني شيء كنت أظن أن وجوده هو الخير كله؟

لم يكن يبحث عن معجزة، كان يريد فقط تفسيرًا.

كان يريد أن يفهم لماذا.

وهنا يبدأ واحد من أكثر الصراعات الإنسانية هدوءًا من الخارج، وأكثرها ضجيجًا من الداخل:

العقل يريد أن يفهم كل شيء… أما الإيمان، فيعلّمك أن تطمئن حتى حين لا تفهم كل شيء.

العقل بطبيعته لا يحب المساحات المجهولة. في علم النفس يُعرف هذا الميل بـ الحاجة إلى الإغلاق المعرفي (Need for Cognitive Closure)، وهي حاجة الإنسان إلى الوصول إلى إجابة واضحة وحاسمة عندما يواجه الغموض وعدم اليقين.

ولهذا، عندما نتألم، نبدأ في البحث عن تفسير.

نريد أن نعرف لماذا رحل هذا الشخص، ولماذا فشل هذا المشروع، ولماذا تأخر هذا الأمر، ولماذا أُغلِق هذا الباب، ولماذا لم تأتِ الحياة كما خططنا لها.

نحن لا نتألم فقط من الحدث… أحيانًا نتألم أكثر من عجزنا عن فهمه.

لكن المشكلة أننا غالبًا نحاكم اللحظة من داخل اللحظة.

نحن نرى ما حدث الآن، بكل ألمه وارتباكه، لكننا لا نملك كل المعلومات التي ستكشفها الأيام.

قد ترى بابًا أُغلق، ولا ترى ما كان ينتظرك خلفه.

قد ترى تأخيرًا، ولا تعرف ما الذي كان يحتاج إلى أن ينضج قبل أن يأتي.

قد ترى فقدًا، ولا تعرف إلى أين سيقودك هذا الفقد.

وقد تظن أنك خسرت شيئًا، بينما ستكتشف بعد سنوات أنك كنت تُنقذ من شيء لم تكن تراه.

أنت ترى هذه اللحظة…

والله يعلم القصة كاملة.

وهنا لا يأتي الإيمان ليطلب منك أن تتوقف عن التفكير، أو أن تتخلى عن عقلك.

الإيمان لا يعني أن تهرب من الواقع، ولا أن تتوقف عن التخطيط، ولا أن ترفض الأسباب.

اسعَ، وخطّط، واستشر، وتعلّم، وحاول، وابذل أقصى ما تستطيع.

لكن عندما تصل إلى النقطة التي تنتهي عندها قدرتك على المعرفة، لا تجعل عجزك عن الفهم يتحول إلى اتهام للحياة، أو إلى يأس من الغد.

فليس كل ما يؤلمنا شرًا، وليس كل ما نريده خيرًا لنا.

أحيانًا نكتشف أن بعض الأشياء التي بكينا لأنها لم تحدث، كانت رحمة لم نفهمها في وقتها.

وأن بعض الأبواب التي تمنينا لو بقيت مفتوحة، كان إغلاقها بداية لطريق لم نكن نراه.

وأن بعض النهايات التي ظنناها نهاية القصة، كانت في الحقيقة بداية فصل جديد منها.

ربما لهذا، لا تحتاج في كل مرة أن تحصل على إجابة كاملة حتى يهدأ قلبك.

يكفي أحيانًا أن تعرف أن الصورة التي تراها ليست الصورة كلها.

أنت ترى الباب المغلق… لكنك لا ترى ما وراءه.

ترى التأخير… لكنك لا ترى ما الذي يُهيَّأ لك.

ترى الفقد… لكنك لا تعرف دائمًا ما الذي سيصنعه هذا الفقد فيك.

وبعد سنوات، قد تعود إلى موقف قديم كنت تسأل عنه بحرقة، فتبتسم.

ليس لأن الألم لم يكن حقيقيًا، ولكن لأنك أصبحت ترى الصورة من مكان آخر.

تكتشف أن ما كنت تسميه وقتها «تأخيرًا» كان له توقيته.

وأن ما ظننته «خسارة» ترك فيك شيئًا لم تكن تملكه من قبل.

وأن الطريق الذي غضبت لأنه لم يكتمل، ربما كان مجرد طريق كان عليه أن ينتهي.

عندها تفهم شيئًا مهمًا:

لم تتغير الحكاية بالضرورة…

الذي تغير هو موقعك منها.

أنت اليوم ترى ما لم تكن تراه بالأمس، وتفهم أشياء لم تكن تملك أدوات فهمها وقت حدوثها.

لذلك، حين يعجز عقلك عن تفسير كل شيء، لا تجعل هذا العجز يأخذ منك الطمأنينة.

اسأل «لماذا؟»… فهذا حق عقلك.

لكن لا تجعل غياب الإجابة يتحول إلى غياب للأمل.

استخدم عقلك فيما تستطيع أن تفهمه، وابذل ما تستطيع فيما تقدر عليه، واترك ما يتجاوز قدرتك لمن يعلم ما لا تعلم.

فربما ليست الطمأنينة أن تعرف لماذا حدث كل شيء…

بل أن تثق بمن يعلم لماذا.

أنت ترى هذه اللحظة…

والله يعلم القصة كاملة.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى