
كتبت: أية ياسين
هناك لحظة لا تأتيك فيها الإجابة من أحد…
تأتيك من داخلك.
لحظة تنظر فيها إلى كل ما مررت به، إلى كل شخص خذلك، وكل موقف أوجعك، وكل مرة ابتلعت فيها كلامك حتى لا تخسر أحدًا… ثم تكتشف الحقيقة التي كنت تهرب منها طويلًا:
لم يكن ينقصني أحد… كنت أنقص نفسي.
كنت أبحث عن التقدير في عيون الآخرين، وعن الأمان في أشخاص لم يكونوا آمنين، وعن الوفاء عند من اعتادوا الغدر، وأنتظر الاعتذار من أشخاص لا يرون أنهم أخطأوا من الأساس.
كنت أظن أن التمسك بالناس قوة، حتى أدركت أن أقوى ما يمكن أن تفعله أحيانًا هو أن تترك.
أن تترك من استهان بك.
أن تترك من اعتاد وجودك حتى ظن أن غيابك مستحيل.
أن تترك من لا يتذكرك إلا عندما يحتاجك.
وأن تترك كل علاقة تجعلك في كل مرة تسأل نفسك: هو أنا مش كفاية؟
ثم أدركت…
أنني كافية.
لكنني كنت أضع نفسي في أماكن لا تعرف قيمة الأشياء النادرة.
أدركت أن الطيبة ليست ضعفًا، لكن الاستمرار في إعطاء الطيب لمن يستغله هو ظلم للنفس.
وأن التسامح فضيلة، لكن العودة إلى نفس الأشخاص بعد أن أثبتوا لك ألف مرة أنهم سيؤذونك… ليست طيبة، بل تجاهل للحقيقة.
وأدركت أنني لست مطالبة بأن أشرح نفسي طوال الوقت.
من أحبني بصدق، لن يحتاج إلى محاكمة أدافع فيها عن نواياي.
ومن قرر أن يراني سيئة، فلن يغير رأيه ألف تفسير.
ومن أراد أن يرحل، فليذهب.
فأنا لم أعد أحتفظ بأحد على حساب سلامي.
ولأول مرة، لم يعد يخيفني أن أخسر شخصًا.
أصبح يخيفني أن أخسر نفسي وأنا أحاول الاحتفاظ به.
لم أعد أركض خلف من ابتعد، ولا أطرق أبوابًا أُغلقت في وجهي، ولا أستجدي اهتمامًا، ولا أبحث عن مبررات لمن اختار أن يؤذيني.
ليس غرورًا…
هذه كرامة جاءت متأخرة، لكنها جاءت.
واليوم، عندما أتذكر كل الأشياء التي كسرتني يومًا، لا أشعر بالندم.
لأنني فهمت أخيرًا أن بعض الوجع لم يكن ليهزمني…
كان ليوقظني.
بعض الأشخاص لم يدخلوا حياتي ليبقوا، بل ليعلموني درسًا.
وبعض النهايات لم تكن خسارة، بل كانت نجاة.
وبعض الأبواب التي أُغلقت في وجهي، كانت رحمة لم أفهمها وقتها.
أما أنا…
فلم أعد تلك التي تخاف من الوحدة.
أنا الآن أخاف فقط من أن أعود إلى نسخة مني كانت تقبل بأقل مما تستحق.
ولكنني أدركت نفسي.
وعندما أدرك الإنسان نفسه…
لا يعود سهلًا أن يخسره أحد،
ولا سهلًا أن يكسره أحد،
ولا سهلًا أن يقنعه بأنه لا يستحق.
لأنني أخيرًا عرفت قيمتي…
ولم أعد أحتاج من أحد أن يخبرني بها.


