ثقافة وفن

ولكنني… لي وجهٌ آخر

ولكنني... لي وجهٌ آخر

ولكنني… لي وجهٌ آخر

بقلم: د آية ياسين

في زمنٍ أصبحت فيه الصورة أهم من الحقيقة، والابتسامة دليلًا زائفًا على السعادة، والقوة قناعًا اجتماعيًا لا يجرؤ كثيرون على خلعه، بات الإنسان يعيش عمره وهو يقدم للعالم نسخةً مختصرة من نفسه، بينما يحتفظ بحقيقته في مكانٍ لا يصل إليه أحد.

كلنا نمتلك وجهًا يعرفه الناس… ووجهًا آخر لا يراه إلا من اقترب بما يكفي، وربما لا يراه إلا الله.

ذلك الوجه الذي يصفق للآخرين وهو يداوي جراحه بصمت، ويمنح الأمل وهو يبحث عنه، ويبدو ثابتًا بينما تتكئ روحه على آخر ما تبقى من قدرتها على الاحتمال.

لقد أصبحنا بارعين في إخفاء الألم. نكتب: “أنا بخير”، بينما تخوض أرواحنا معارك لا يسمع ضجيجها أحد. نضحك في المناسبات، ونتبادل عبارات التفاؤل، ثم نعود إلى وحدتنا محملين بأسئلة مؤجلة، وخيبات لم نجد لها تفسيرًا.

المؤلم أن المجتمع كثيرًا ما يحاكم الناس بما يظهر منهم، لا بما يعيشونه. يحكم على صمتهم تكبرًا، وعلى انزوائهم ضعفًا، وعلى ابتسامتهم سعادة مكتملة، بينما الحقيقة أن أكثر البشر إشراقًا قد يكونون الأكثر تعبًا.

ليس كل ناجحٍ سعيدًا، وليس كل صامتٍ ضعيفًا، وليس كل قويٍ لا ينكسر.

وربما لهذا السبب أصبحنا في حاجة إلى شيءٍ نفتقده أكثر من أي وقت مضى: الرحمة. رحمة تجعلنا نمنح الآخرين مساحةً من التفهم قبل إطلاق الأحكام، وأن ندرك أن لكل إنسان قصة لا تُروى، وحملًا لا يراه أحد، ووجعًا اختار أن يحمله وحده.

لسنا مطالبين بأن نكشف للعالم كل ما يسكننا، لكننا مطالبون ألا نصدق أن ما نراه هو الحقيقة كاملة. فما يظهر من البشر ليس إلا جزءًا صغيرًا من حكايتهم.

وربما كانت الحكمة الأعمق في الحياة أن ندرك أن الإنسان ليس ملامحه، ولا كلماته، ولا منشوراته على مواقع التواصل الاجتماعي، بل هو ذلك العالم الخفي الذي لا تلتقطه الكاميرات، ولا تصفه العبارات العابرة.

ولهذا، كلما التقيت أحدًا، تذكر أنه قد يخوض معركة لا تعرف عنها شيئًا. فكن رفيقًا في كلماتك، رحيمًا في أحكامك، ولطيفًا في حضورك.

فالحقيقة التي نغفل عنها دائمًا… أن لكل إنسان وجهًا يراه الجميع، ووجهًا آخر لا يراه أحد. :::

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى