
(ورود قطفهن الموت)
بقلم الكاتب/ أحمد المغربي
في حادثة مأساوية هزّت الشارع المصري بكل أطيافه وانفطر عليها كل من يملك في قلبه مثقال ذرة من إنسانية وبكت لأجلها الطفولة دون توقف، حادثة بنات كفر السنابسة، ثمانية عشر قمرًا لقين مصرعهن في حادث مروِّع على الطريق الإقليمي بنطاق محافظة المنوفية، ثمانية عشر وردة قطفهن الموت وتركن الحياة دون أن يرين منها رحمة، بنات صغيرات في عمر الزهور يشبهن الورد في جماله وطيب عطره، فأكبرهن لم تبلغ السابعة عشر بعد، ولكن قصتهن تشيب لها الولدان، فهن لسن كباقي الفتيات فقد حُرمن الطفولة بكل جمالها وأثقلت كواهلهن الحياة وهن أطفالاً بريئات، تحملن المسئولية وهن في المهد؛ فحياتهن مختلفة تمامًا عن الأخريات اللآتي يسكن في التجمعات، حيث يبدأ يومهن وهن يُقمن من النوم مفزوعات على صوت السيارة التي تنتظرهن في عجل لتنقلهن لمقر العمل، فيخرجن من البيت مسرعات بالكاد يغمسن وجوههن في الماء ويضعن الأوشحة على رؤوسهن حتى لا تحرقهن حرارة الشمس، يخرجن من البيت فجرًا مكسورات الجناح وكل كآبة الحياة مرسومة على وجوههن، وأكبر أحلامهن أن ينتهي يومهن بسلام ويقبضن الأجرة دون خصم ليساعدن أهلهن في مصاريف المعيشة، أمّا أن يعشن الطفولة بكل معانيها فهذا محض عبث بالنسبة لهن حتى رؤية ذلك في التلفزيون بعيد المنال، فلا أظن أن هناك وقت فائض لديهن بعد العمل ومصالح البيت لمشاهدة ذلك، ورغم كل هذه المآسي كن يعافرن ليبقين على قيد الحياة عفيفات، ولكن رعونة سائق الشاحنة أسقطهن جميعًا في قبضة الموت دون سابق إنذار وذهب بأحلامهن البسيطة إلى الآخرة، تباكى عليهن المارة لبعض الوقت وذُرفت عليهن الدموع ربما لدقائق ثم ستنسى الناس الحادث خلال يوم أو أثنين على الأكثر ولكن أمهاتهن مازلن يبكين بحرقة وينتظرن عودتهن إلى البيت وهن يعلمن أنهن لن يرجعن أبدا وقد تكون أفضل فرصة أن تلتقي كل منهن بفلذة كبدها في رؤية عابرة في المنام فما أكبر مصيبتهن، لذلك على الدولة رعاية أُسر الضحايا وتوفير حياة كريمة لهم وتعويضهم وإن كان لا شيء يساوي فقيداتهن، وحتى نمنع تكرار تلك الحوادث بقدر المستطاع نطالب الحكومة بالعمل فورًا على توسعة كل الطرق وجعلها باتجاهين، بالإضافة إلى إصدار تعليمات صارمة لكل الهيئات ذات الشأن بتنفيذ كافة إجراءات الأمن والسلامة وتطبيق كل قواعد المرور وعمل دوريات ثابتة ومتحركة للتفيش على السائقين المخالفين ومعرفة مدى أهليتهم للقيادة وتطبيق أقصى عقوبة في حال المخالفة وإزالة الإشغالات وتركيب رادارات متعددة لضبط السرعة وعمل مطبات صناعية في المناطق الضيقة على الطريق بجانب عمل تحليل مخدرات للسائقين بصفة دورية، أعلم أن الحكومة بذلت جهودًا كبيرة في تحسين شبكة الطرق ولكن نرجو منها بذل الكثير؛ لأن الطرق أصبحت وحشًا مفترسًا كل يوم يقبض المزيد من الأرواح ونسأل الله السلامة للجميع .



