الزواج بين ضغط العادات وروح الشريعة
الزواج بين ضغط العادات وروح الشريعة
بقلم د/عمريوسف عمر
بسم الله والحمد لله، والصلاة والسلام على أشرف الخلق سيدنا رسول الله عليه وعلى آله وصحبه ومن والاه وبعد.
الزواج في الإسلام ليس مجرد علاقة اجتماعية، بل هو ميثاق غليظ جعله الله تعالى أساسًا لبناء الأسرة واستمرار الحياة،
قال سبحانه: (وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَوَدَّةً وَرَحْمَةً) هذه الآية ترسم الهدف الحقيقي من الزواج السكن، والمودة، والرحمة،
لا التفاخر ولا التباهي ولا تحميل الناس ما لا يطيقون.
لكن الواقع في كثير من المجتمعات اليوم ابتعد عن هذا المقصد،
فأصبح الزواج عند البعض مرتبطًا بالمبالغة في المهور، والإسراف في حفلات الزفاف، والتنافس في المظاهر، حتى صار بعض الشباب يعجز عن الإقدام عليه رغم حاجته إليه، أو يدخل فيه وهو مثقل بالديون والضغوط.
الإسلام في المقابل جاء ليضع ميزانًا دقيقًا بين الفرح المشروع والاعتدال في الإنفاق، فحثّ على التيسير ونهى عن التعسير. قال النبي صلى الله عليه وسلم”يسِّروا ولا تعسِّروا، وبشِّروا ولا تنفِّروا” (متفق عليه). وهذا أصل عظيم في كل شؤون الحياة، وخاصة في الزواج الذي هو باب للعفة والاستقرار.

كما قال صلى الله عليه وسلم”خير الصداق أيسره” وفي رواية “إن أعظم النكاح بركة أيسره مؤونة” (رواه أحمد والحاكم وصححه جماعة من أهل العلم)
،وهذه النصوص تدل بوضوح على أن البركة ليست في كثرة المال، بل في التيسير ورفع الكلفة.
وقد جاء في الأثر أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان ينهى عن المغالاة في المهور، ويحث الناس على التخفيف،
وقال: “ألا لا تغالوا في صداق النساء، فإنها لو كانت مكرمة في الدنيا أو تقوى عند الله لكان أولاكم بها النبي صلى اللّه عليه وسلم”،
وهذا يدل على أن الصحابة فهموا أن جوهر الزواج ليس في الإكثار من المال، بل في صلاح الدين وحسن الخلق.
أما المبالغة في الزواج اليوم، فهي لا تقتصر على المهور فقط، بل تشمل مظاهر كثيرة: قاعات باهظة، دعوات مكلفة، هدايا مبالغ فيها، وكل ذلك قد يتحول إلى عبء يثقل كاهل الأسرة ويجعل بداية الحياة الزوجية قائمة على الدين والديون بدل السكن والاستقرار.
وفي المقابل، الاعتدال في الزواج هو الطريق الذي يحقق مقاصده الشرعية والاجتماعية، فالاعتدال لا يعني إهمال الفرح أو إلغاء مظاهر السرور، بل يعني ضبطها بضوابط الشرع والعقل، بحيث يكون الزواج ميسرًا، خاليًا من التعقيد، قريبًا من الفطرة، بعيدًا عن التكلف.
ومن أعظم آثار الاعتدال أنه يفتح باب العفة ويقلل من نسبة العزوف عن الزواج، ويجعل الشباب قادرين على بناء أسر مستقرة دون ضغوط مالية خانقة. كما أنه يزرع البركة في الحياة الزوجية، لأن البركة مرتبطة بطاعة الله والتيسير، لا بالإسراف والتفاخر.
ولو تأملنا سيرة النبي صلى الله عليه وسلم لوجدنا أن زواجه وزواج بناته كان في غاية البساطة. فقد زوّج النبي صلى الله عليه وسلم بعض الصحابة على ما يحفظون من القرآن، كما في حديث الرجل الذي قال له النبي صلى الله عليه وسلم “اذهب فقد زوجتكها بما معك من القرآن” (متفق عليه).
وهذا دليل واضح على أن الإسلام يقدّم الدين والخلق على المال والمظاهر.
إن المشكلة ليست في الفرح بالزواج، ولكن في تحويله إلى سباق اجتماعي يرهق الناس ويبعدهم عن مقاصد الشرع ولو عاد الناس إلى الاعتدال، لخفّت الأعباء، وكثرت الزيجات، وقلت المشاكل، وانتشرت البركة في البيوت.
وفي النهاية، الزواج الناجح لا يُقاس بحجم الحفل أو قيمة المهر،
بل يُقاس بمدى المودة والرحمة، وبقدر ما فيه من طاعة لله وتيسير لعباده. فكلما اقترب الزواج من البساطة والاعتدال، كان أقرب للبركة والاستقرار، وكلما غرق في المبالغة، فقد كثيرًا من معناه الحقيقي.
وفى هذا القدر الكفاية لمن أراد الهداية
وصل اللهم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.



