
قراءةٌ في عقل الملحد [1] … حوار في إشكالية فهم الملحدين لوجود الله
بقلم: محمد رجب أبو تليح الأزهري - عضو إدارة الفتوى وبحوث الدعوة بوزارة الأوقاف
لا ينبع الإلحاد في جوهره الفلسفي والوجودي من مجرد رفضٍ عقليٍّ مجرَّد، بل هو في كثيرٍ من الأحيان تعبيرٌ عن أزمةٍ وجوديةٍ أو أخلاقيةٍ تجاه الألم، العدل، أو غياب المعنى. ولئن كان بعض الملحدين يزعمون أنهم ينطلقون من: “العقل” وحده، فإنّ الواقع يُظهر أنّ كثيرًا منهم يرفضون الإيمان، لا لأنّ الأدلة غائبة عنهم، بل لأنّهم لا يريدون أن يكون هناك إلهٌ يُحاسب أو يُقيّد إرادتهم.
يقول تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّقُوا مَا بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَمَا خَلْفَكُمْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ * وَمَا تَأْتِيهِم مِّنْ آيَةٍ مِّنْ آيَاتِ رَبِّهِمْ إِلَّا كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ﴾ (يس: 45–46). فالإلحاد ليس عجزًا في إدراك البرهان، بل عُسرٌ في القبول له.
وهنا نناقش اول قضية من قضاياهم:
أولًا: إشكالية الفهم عند الملحدين
غالبًا ما يبني الملحدين موقفهم على سوء فهمٍ مزدوج بين:
1 – الخلط بين “الدين” و”الوحي”: فيظنّون أن كلّ دينٍ باطلٌ، فيستنتجون أن الوحي ذاته باطل، مع أن الإسلام يميّز بين التدين البشري المتغيّر، وبين الدين الحق المنزل من عند الله عز وجل.
2 – الاقتصار على الحسّ والتجربة المادية: فيعتبرون أن ما لا يُرى أو لا يُختبر مخبريًّا فهو غير موجود، وهو خطأٌ منهجيٌّ فادح؛ إذ إنّ كثيرًا من الحقائق (كالعقل، والروح، والقيم الأخلاقية) وغيرها لا تخضع للقياس المادي، ومع ذلك فهي حقيقية موجودة.
وهنا يبرز قول النبي ﷺ: «تفكّروا في خلق الله ولا تفكّروا في ذات الله؛ فإنكم لن تقدروه». (رواه أبو نعيم في: (حلية الأولياء).
فالعقل مُكرّمٌ في الإسلام، لكنه محدودٌ، ولا يُطلب منه أن يُدرك الغيب كما يُدرك المحسوس، بل أن يتأمل الآيات الدالة عليه.
ثانيًا: أدلة وجود الله في القرآن الكريم
لم يترك القرآن الكريم الإنسان أمام هذا السؤال المصيري دون دليلٍ بيّن. فقد قدّم أدلةً عقليةً وكونيةً متينةً، منها:
– دليل الفطرة: قال تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا ۚ فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا ۚ لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ۚ ذَٰلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (الروم: 30).
– والفطرة هنا ليست عادةً، بل استعدادٌ فطريٌّ في النفس البشرية للإيمان بالخالق، حتى إنّ الملحد نفسه حين يُصاب بمكروهٍ يصرخ: “يا رب!” دون تفكير ولا وعي، لأنها الفكرة تنطق على لسانه بدون قصد.
– دليل النظام الكوني قال تعالي: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِّأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ (آل عمران: 190).
– والنظام الدقيق في الكون من دوران الكواكب إلى توازن الخلايا لا يمكن أن يكون صدفةً عمياء، بل دليلٌ على مدبّرٍ حكيم.
– دليل الإمكان والحدوث: كلّ موجودٍ في هذا الكون ممكن الوجود، يحتاج إلى موجدٍ واجب الوجود. قال تعالى: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ﴾ (الطور: 35). فهل خلقوا أنفسهم؟ أم خُلقوا من لا شيء؟ كلا الأمرين محالٌ عقلاً.
ثالثًا: الردّ على بعض الشبهات الشائعة:
من أبرز شبهات الملحدين: “لو كان الله رحيمًا، لما سمح بالألم”.
والردّ أنّ الألم ليس نفيًا للرحمة، بل قد يكون امتحانًا، أو تنبيهًا، أو طريقًا للتوبة والارتقاء.
قال ابن القيّم: “لو لم يكن في البلاء إلا أنه يُقرّبك من الله لكفاك”.
والألم في الدنيا لا يُقاس بما في الآخرة، والله لا يُسأل عمّا يفعل.
ومنهم من يقول: “العلم يفسّر كلّ شيء دون حاجة لإله”.
والجواب أن العلم يفسّر “كيف”، أما “لماذا” فلا يجيب عنها إلا الوحي.
فالعلم يشرح كيف يتكوّن الجنين، لكنه لا يُجيب: لماذا الحياة؟ وما الغاية منها؟
وفي النهاية نقول: الإيمان ليس هروبًا، بل رؤيةٌ كلّية.
ومواجهة الإلحاد لا تكون بالغضب أو التكفير، بل بالحجة البالغة، والخلق الرفيع، والتفكر العميق. والإسلام دينٌ يدعو إلى التأمل لا التقليد، وإلى البرهان لا السلطان. فلنُعرض على الملحدين آيات الكون، وآيات القرآن، وسير الأنبياء، وتجارب العارفين، وليُنظروا: هل يُعقل أن يكون هذا كله صدفة؟
قال تعالى: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ ۗ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ (فصلت: 53).
والحقّ لا يُفرض، بل يُبصَر. ومن طلب الهداية بصدق، هداه الله.



