دين

نفحات التشريق ومواسم تعظيم الله

بقلم د/عمر يوسف عمر

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمدٍ خاتم الأنبياء والمرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين.

من أعظم ما يميز الشريعة الإسلامية ارتباط العبادات بذكر الله تعالى، فغاية الطاعات وروح القربات أن يبقى العبد موصولًا بربه، ذاكرًا له بقلبه ولسانه وجوارحه.

ومن أجلِّ المواسم التي يتأكد فيها الذكر أيام التشريق التي أشار إليها القرآن الكريم بقوله تعالى: (وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ) [البقرة: 203].

وقد ذهب جمهور المفسرين إلى أن الأيام المعدودات هي أيام التشريق الثلاثةالحادي عشر والثاني عشر والثالث عشر من ذي الحجة، وهي الأيام التي تعقب يوم النحر،

وفيها يكثر الحجاج من رمي الجمار، ويكثر المسلمون جميعًا من التكبير والتهليل والتحميد وسائر أنواع الذكر.

ولقد خصَّ الله هذه الأيام بمزيد فضلٍ وعناية، فجعلها أيام عبادة وشكر وفرح بنعمة الله. فعن نبيشة الهذلي رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم

قال: “أيام التشريق أيام أكل وشرب وذكر لله عز وجل” رواه مسلم.

فجمع الحديث بين متع الدنيا المباحة وبين أعظم أعمال الآخرة وهو ذكر الله تعالى، ليعلم المسلم أن الشكر الحقيقي يكون باستعمال النعم فيما يرضي المنعم سبحانه.

ومن أعظم ما يُشرع في هذه الأيام التكبير المقيد عقب الصلوات المكتوبات، والتكبير المطلق في سائر الأوقات، إحياءً لشعيرة عظيمة من شعائر الإسلام، قال تعالى: (لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ)[الحج: 28]

وكان الصحابة رضي الله عنهم يرفعون أصواتهم بالتكبير في هذه الأيام حتى ترتج منى بالتكبير.

كما أن ذكر الله في هذه الأيام لا يقتصر على التكبير فحسب، بل يشمل التسبيح والتحميد والتهليل والاستغفار وقراءة القرآن والدعاء، فإن الذاكرين لله كثيرًا هم أهل الفلاح، قال تعالى: (فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ) (البقرة: 152)
،

وقال سبحانه: “وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا”(الأحزاب: 35)

إن أيام التشريق فرصة عظيمة لتجديد الصلة بالله تعالى بعد انقضاء يوم النحر، وهي تذكير للمسلم بأن العبادة لا تنتهي بانتهاء موسم أو مناسبة،

بل تستمر ما دام القلب نابضًا بالإيمان. فطوبى لمن عمر هذه الأيام بذكر الله، وأكثر فيها من التكبير والتحميد والدعاء، واستشعر نعم الله عليه ظاهرةً وباطنة.

نسأل الله تعالى أن يجعلنا من الذاكرين الشاكرين، وأن يتقبل من الحجاج حجهم، ومن المسلمين طاعاتهم، وأن يعيد هذه الأيام المباركة على الأمة الإسلامية بالخير واليمن والبركات.
وصلِّ اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى