علوم وتكنولوجيا

الطيف الكهرومغناطيسي في نطاق موجات الراديو: من التردد إلى الاستخدامات العملية

من التردد الراديوي إلى الاستخدامات العملية

الطيف الكهرومغناطيسي في نطاق موجات الراديو: من التردد إلى الاستخدامات العملية. 

بقلم: محمد العزب
يمثل الطيف الكهرومغناطيسي الإطار العام الذي يضم جميع أنواع الموجات الكهرومغناطيسية، من الموجات الأطول والأقل ترددا إلى الموجات الأقصر والأعلى ترددا. وفي هذا الطيف تأتي موجات الراديو باعتبارها أحد أكثر أجزائه أهمية في الحياة الحديثة، لأنها الأساس الذي تقوم عليه الإتصالات اللاسلكية، والبث الإذاعي والتلفزيوني، وشبكات الهاتف المحمول، والواي فاي، والبلوتوث، والأقمار الصناعية، والرادار. وتكتسب دراسة هذا النطاق أهمية خاصة لأنها تشرح كيف تختلف الموجات في سلوكها، ولماذا يصل بعضها إلى مسافات بعيدة، بينما ينقل بعضها الآخر كميات هائلة من البيانات في مسافات أقصر.

الطيف الكهرومغناطيسي في نطاق موجات الراديو: من التردد إلى الاستخدامات العملية
الطيف الكهرومغناطيسي في نطاق موجات الراديو: من التردد إلى الاستخدامات العملية

تُعرَّف موجات الراديو عادة بأنها الجزء من الطيف الكهرومغناطيسي الذي يمتد تقريبا من 3 هرتز إلى 300 جيجاهرتز. ويعني ذلك أن هذا النطاق الواسع جدا يضم موجات بطول موجي يصل إلى مئات الكيلومترات، وأخرى لا يتجاوز طولها المليمترات. وترتبط قيمة الطول الموجي مباشرة بالتردد بعلاقة فيزيائية ثابتة هي: الطول الموجي يساوي سرعة الضوء مقسومة على التردد.

، وبما أن سرعة الضوء في الفراغ تقارب 300 مليون متر في الثانية، فإن انخفاض التردد يؤدي إلى زيادة الطول الموجي، بينما يؤدي ارتفاع التردد إلى قصره. لذلك، فإن موجة بتردد 1 كيلوهرتز يبلغ طولها الموجي نحو 300 كيلومتر، وموجة بتردد 1 ميجاهرتز يبلغ طولها نحو 300 متر، بينما لا يتجاوز الطول الموجي عند 1 جيجاهرتز نحو 30 سنتيمترا، وعند 100 جيجاهرتز نحو 3 مليمترات فقط.

ويُقسَّم نطاق موجات الراديو إلى حِزَم معروفة، لكل منها خصائصها الفيزيائية واستخداماتها التقنية. فالنطاق شديد الانخفاض جدا، أو ELF، يمتد من نحو 3 إلى 30 هرتز، بطول موجي يتراوح تقريبا بين 100 ألف كيلومتر و10 آلاف كيلومتر، وهو نطاق نادر الاستخدام ولا يُلجأ إليه إلا في الاتصالات شديدة التخصص مثل بعض اتصالات الغواصات أو الإشارات الخاصة ذات المدى العميق جدا.

الطيف الكهرومغناطيسي في نطاق موجات الراديو: من التردد إلى الاستخدامات العملية
الطيف الكهرومغناطيسي في نطاق موجات الراديو: من التردد إلى الاستخدامات العملية

، وفي نطاق VLF، وهو التردد المنخفض جدا، فيمتد من 3 إلى 30 كيلوهرتز، بطول موجي يتراوح بين 100 كيلومتر و10 كيلومترات، ويُستخدم في الملاحة البحرية وبعض اتصالات الغواصات، لأنه قادر على التغلغل نسبيا في الماء مقارنة بالترددات الأعلى.

، ويأتي بعد ذلك نطاق LF، أي التردد المنخفض، ويتراوح من 30 إلى 300 كيلوهرتز، بطول موجي بين 10 كيلومترات وكيلومتر واحد. ويُستخدم هذا النطاق في بعض خدمات التوقيت والملاحة، وكذلك في تطبيقات إذاعية محدودة. أما نطاق MF، وهو التردد المتوسط، فيمتد من 300 كيلوهرتز إلى 3 ميجاهرتز، بطول موجي من كيلومتر واحد إلى نحو 100 متر، وهو النطاق الذي اشتهر تاريخيا في بث الموجة المتوسطة AM

، وفي بعض خدمات الاتصال البرية والبحرية. وتُعد الموجة المتوسطة مثالا واضحا على التوازن بين مدى الانتشار وإمكانات البث، إذ تستطيع الإشارة أن تقطع مسافات معتبرة، خصوصا ليلا عندما تتحسن ظروف الانعكاس في طبقات الغلاف الجوي العليا.
، وفي نطاق HF، أي التردد العالي، فيمتد من 3 إلى 30 ميجاهرتز، ويقابله طول موجي من 100 متر إلى 10 أمتار.

، وتكمن أهمية هذا النطاق في قدرته على الاستفادة من الانعكاس الأيوني، أي ارتداد الموجات عن طبقات الأيونوسفير والعودة إلى الأرض، ما يسمح بانتشارها لمسافات بعيدة جدا دون الحاجة إلى أقمار صناعية. ولهذا يُستخدم في الاتصالات الدولية، وراديو الهواة، والاتصالات البحرية والجوية طويلة المدى، إضافة إلى بعض التطبيقات العسكرية والعلمية. ويُعد هذا النطاق مثالا مهما على كيف يمكن للتردد أن يحدد نمط الانتشار، لا مجرد قوة الإشارة.

الطيف الكهرومغناطيسي في نطاق موجات الراديو: من التردد إلى الاستخدامات العملية
الطيف الكهرومغناطيسي في نطاق موجات الراديو: من التردد إلى الاستخدامات العملية

، ويُعد نطاق VHF، أي التردد العالي جدا، من 30 إلى 300 ميجاهرتز، بطول موجي من 10 أمتار إلى متر واحد، من أكثر النطاقات حضورا في الحياة اليومية. ففيه يعمل بث FM بين 88 و108 ميجاهرتز، كما تُستخدم أجزاء منه في التلفزيون الأرضي، وفي بعض أنظمة الملاحة الجوية، والاتصالات اللاسلكية القصيرة والمتوسطة. ويتميز هذا النطاق بجودة أفضل في نقل الصوت مقارنة بنطاق AM، لكنه يعتمد بدرجة أكبر على خط النظر، أي أن العوائق الكبيرة قد تحد من مدى الإشارة.

، ويلي ذلك نطاق UHF، أو التردد الفائق الارتفاع، من 300 ميجاهرتز إلى 3 جيجاهرتز، بطول موجي بين متر واحد و10 سنتيمترات. ويُستخدم هذا النطاق على نطاق واسع في التلفزيون الرقمي، والهواتف المحمولة، وبعض خدمات الراديو، والبلوتوث، وأجزاء من الواي فاي. وتكمن أهميته في أنه يحقق توازنا جيدا بين مدى التغطية وسعة نقل البيانات، ولذلك أصبح أحد الأعمدة الرئيسية للبنية التحتية الرقمية الحديثة. ومع ذلك، فإن الإشارة فيه تتأثر أكثر بالعوائق مقارنة بالنطاقات الأدنى، ما يستدعي زيادة كثافة المحطات أو استخدام المكررات.

ثم يأتي نطاق SHF، أو التردد الفائق جدا، الممتد من 3 إلى 30 جيجاهرتز، وهو نطاق الموجات الميكروية. ويقابله طول موجي يتراوح من 10 سنتيمترات إلى سنتيمتر واحد. ويُستخدم هذا النطاق في الاتصالات عبر الأقمار الصناعية، والروابط الميكروية بين المحطات، وبعض تطبيقات الرادار، إضافة إلى أجزاء من الواي فاي عند 2.4 جيجاهرتز و5 جيجاهرتز و6 جيجاهرتز. ويتميز هذا النطاق بقدرته العالية على حمل البيانات، لكنه يتطلب غالبا مسارا مباشرا أو شبه مباشر، كما يتأثر بالمطر والرطوبة والعوائق الصغيرة، خاصة كلما ارتفع التردد داخل هذا النطاق.

الطيف الكهرومغناطيسي في نطاق موجات الراديو: من التردد إلى الاستخدامات العملية
الطيف الكهرومغناطيسي في نطاق موجات الراديو: من التردد إلى الاستخدامات العملية

، ويأتي أعلى نطاقات موجات الراديو، وهو EHF، أي التردد الفائق الشدة، فيمتد من 30 إلى 300 جيجاهرتز، بطول موجي من سنتيمتر واحد إلى مليمتر واحد. ويُعرف هذا النطاق أيضا بالموجات المليمترية، ويُستخدم في تقنيات الاتصالات عالية السعة، وبعض تطبيقات الجيل الخامس، وفي الرادارات المتقدمة، وأنظمة الاستشعار الدقيقة. وتتميز هذه الترددات بقدرتها على نقل كميات ضخمة من البيانات في زمن قصير، لكنها في المقابل شديدة الحساسية لامتصاص الغلاف الجوي، وخاصة من بخار الماء والأكسجين والأمطار، ما يجعل مداها أقصر بكثير من النطاقات الأدنى. ولهذا تُستخدم عادة في تطبيقات تتطلب كثافة عالية في نقل البيانات أكثر من الحاجة إلى مدى بعيد.

، ومن المهم هنا التمييز بين مفهومين كثيرا ما يختلطان على غير المتخصصين، وهما المدى وسعة النطاق. فـالمدى هو المسافة التي يمكن للإشارة أن تغطيها مع احتفاظها بجودة مقبولة، بينما سعة النطاق هي القدرة على نقل كمية أكبر من البيانات في الثانية الواحدة. وكلما انخفض التردد، زادت قدرة الموجة على الانتشار والالتفاف حول العوائق، فتميل إلى تحقيق مدى أكبر. لكن هذا الامتداد يأتي عادة على حساب سعة نقل البيانات، لأن الترددات المنخفضة تملك حيزا محدودا من الطيف. إنما الترددات الأعلى فتوفر حيزا أوسع، ما يعني إمكانية نقل بيانات أكثر وسرعة أعلى، لكنها تعاني من مدى أقصر وحساسية أكبر للعوائق والظروف الجوية.

الطيف الكهرومغناطيسي في نطاق موجات الراديو: من التردد إلى الاستخدامات العملية
الطيف الكهرومغناطيسي في نطاق موجات الراديو: من التردد إلى الاستخدامات العملية

ولهذا يمكن القول إن العلاقة بين المدى وسعة النطاق علاقة تبادلية وليست تنافسية فقط؛ فحين يزداد أحدهما غالبا يتراجع الآخر، وفقا للتردد المستخدم وطبيعة الخدمة المطلوبة. فإذا كانت الحاجة هي التغطية الواسعة والاختراق الأفضل، تكون الترددات المنخفضة أكثر ملاءمة. إنما إذا كانت الحاجة هي نقل البيانات بسرعة عالية وسعة كبيرة، فالترددات الأعلى تصبح الخيار الأفضل، ولو على حساب المسافة. ومن هنا نفهم لماذا لا تعتمد الاتصالات الحديثة على تردد واحد، بل على منظومة متكاملة من النطاقات، كل منها يؤدي وظيفة مختلفة داخل البنية الاتصالية.

ويظهر هذا التباين بوضوح في التطبيقات اليومية. فالبث الإذاعي AM يختار نطاقا يسمح بالوصول لمسافات بعيدة نسبيا، بينما يركز FM على جودة صوت أفضل في نطاق VHF. والهواتف المحمولة تستفيد من عدة نطاقات، بعضها يمنح تغطية أوسع وبعضها يتيح سرعات أعلى. والواي فاي يعمل في نطاقات UHF وSHF لأنه يحتاج إلى نقل بيانات كبير في نطاق محلي قصير المدى. أما الأقمار الصناعية فتستعمل نطاقات SHF وEHF لأنها تتطلب توازنا دقيقا بين السعة والدقة والتوجيه.

، ولا يقتصر الأمر على الفيزياء وحدها، بل يرتبط أيضا بالتنظيم. فإدارة الطيف الراديوي تتم وفق تقسيمات دولية ووطنية دقيقة، لأن ترك النطاقات بلا تنظيم يؤدي إلى التداخل بين الخدمات المختلفة. ولهذا تُخصَّص أجزاء من الطيف للبث، وأخرى للاتصالات المتنقلة، وأخرى للملاحة، وأخرى للرادار، وأخرى للخدمات العلمية أو الصناعية أو الفضائية. وهذه الإدارة المنظمة هي التي تجعل الملايين من الإشارات تعمل يوميا دون فوضى تُذكر، رغم ضيق الحيز المتاح واتساع الطلب عليه.

، وفي المحصلة، فإن موجات الراديو ليست مجرد إشارات غير مرئية تنتقل في الهواء، بل منظومة علمية وتقنية شديدة الدقة، تقوم على علاقة واضحة بين التردد والطول الموجي، وبين المدى وسعة النطاق، وبين الاستخدام والخصائص الفيزيائية. وكلما ارتفع التردد قصُر الطول الموجي، وكلما انخفض التردد طال الطول الموجي. وكلما اتجهنا نحو الترددات المنخفضة حصلنا على مدى أكبر، وكلما اتجهنا نحو الترددات الأعلى حصلنا على سعة بيانات أكبر. وبين هذين الاتجاهين تتشكل بنية الاتصالات الحديثة بكل تفاصيلها، من أبسط جهاز راديو إلى أعقد منظومة فضائية.
بقلم: محمد العزب

الطيف الكهرومغناطيسي في نطاق موجات الراديو: من التردد إلى الاستخدامات العملية
الطيف الكهرومغناطيسي في نطاق موجات الراديو: من التردد إلى الاستخدامات العملية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى