
(إذا انقطعت الأسباب جاءت رحمة رب الأرباب)
بقلم د/عُمَرْيُوسُفْ عُمَرْ
بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على أشرف الخلق سيدنا رسول الله عليه وعلى آله وأصحابه ومن والاه وبعد.
رحمة الله تعالى ليست معنىً نظريًا يُتداول في الكلمات، بل حقيقةٌ حيّة تتجلّى في قصص الأنبياء والمرسلين، وتظهر بوضوحٍ في أشد لحظات الضيق والابتلاء،فمن تأمّل كتاب الله، وجد أن الرحمة كانت دائمًا حاضرة، تُنقذ، وتُثبّت، وتُبدّل الحال من شدةٍ إلى فرج.
لقد أخبرنا الله بسعة رحمته فقال: (وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ)ولم تكن هذه الرحمة مجرد وعد، بل ظهرت واقعًا في حياة أنبيائه فهذا نوحٌ عليه السلام، بعد دعوةٍ طويلة وصبرٍ عظيم، يُكذّبه قومه، فتأتي رحمة الله فاصلةً بين الحق والباطل، فيقول سبحانه:
(فَأَنجَيْنَاهُ وَأَصْحَابَ السَّفِينَةِ) فكانت النجاة رحمةً إلهية في وقتٍ استحال فيه النجاة بغيرها.
وفي موقفٍ أعجب، يُلقى إبراهيم عليه السلام في النار، فيجتمع عليه الأعداء، وتنقطع الأسباب، لكن رحمة الله تتدخل بأمرٍ واحد
(قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ) فتحوّلت النار من أداة هلاكٍ إلى وسيلة نجاة، ليبقى هذا المشهد شاهدًا على أن رحمة الله فوق كل قوة.
ويمتد أثر هذه الرحمة في قصة يوسف عليه السلام، الذي انتقل من ظلمات الجبّ إلى ضيق السجن، ثم إلى سعة الملك، حتى لخّص رحلته بقوله:
(إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِّمَا يَشَاءُ)
فاللطف هنا وجهٌ من وجوه الرحمة الخفية التي تُدبّر الأمور بحكمة، حتى وإن بدت قاسية في ظاهرها.
ولم تكن الرحمة غائبةً عن أيوب عليه السلام، حين اشتد به البلاء، لكنه لجأ إلى ربه بقلبٍ موقن
(أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ)فجاء الجواب سريعًا
(فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِن ضُرٍّ) لتكون الرحمة ثمرة الصبر واليقين.
وكذلك يونس عليه السلام، حين أحاطت به الظلمات في بطن الحوت، لم يجد ملجأً إلا رحمة الله، فنادى
(لَا إِلَٰهَ إِلَّا أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ )فجاءت النجاة فورًا
(فَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ) وكأن الآية تؤكد أن الاعتراف والرجوع مفتاح الرحمة.
أما نبينا محمد صلى ، فقد أحاطته رحمة الله في كل أطوار حياته، من اليُتم إلى النصر، فقال سبحانه:
(أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَىٰ) ثم ختم هذه الرحمة بجعله رحمةً للعالمين
(وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ)
ولم تقتصر الأدلة على قصص الأنبياء، بل جاء التأكيد النبوي ليُرسّخ هذا المعنى، فقال صلى الله عليه وسلم”إنَّ رحمتي سبقت غضبي” (متفق عليه)، ليبقى باب الرجاء مفتوحًا، مهما عظمت الخطايا. وقال صلى الله عليه وسلم”الله أرحم بعباده من هذه بولدها” (متفق عليه)، في تصويرٍ يقرب المعنى إلى القلوب.
وهكذا، يتبيّن أن رحمة الله ليست غائبةً في الشدائد، بل هي التي تصنع الفرج من داخلهافمن تأمّل حال الأنبياء، أدرك أن كل محنة كانت طريقًا إلى منحة، وأن كل ضيقٍ كان يحمل في طياته لطفًا خفيًا
وفي الختام، فإن رحمة الله التي نجّت الأنبياء في أحلك الظروف، هي ذاتها التي تحيط بنا اليوم، تنتظر منّا صدق اللجوء وحسن الظن. فمن عرف ربّه بهذا المعنى، عاش مطمئنًا، لا ييأس، ولا يقنط، لأنه يعلم أن له ربًا يقول: (إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا)، وأن رحمته أقرب إليه من كل شيء.
وصل اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى اله وصحبه وسلم.



