من لمسةٍ صغيرة إلى كارثةٍ كبيرة: كيف نحمي بيوتنا وأسرنا من المخاطر الكهربائية؟
كيف نحمي بيوتنا وأسرنا من المخاطر الكهربائية؟
من لمسةٍ صغيرة إلى كارثةٍ كبيرة: كيف نحمي بيوتنا وأسرنا من المخاطر الكهربائية؟
بقلم: محمد العزب
أخصائي السلامة والصحة. المهنية
تبدو الكهرباء جزءًا عاديًا من حياتنا اليومية، لكنها قد تتحول في لحظة إلى خطر حقيقي إذا أُسيء استخدامها أو أُهملت إجراءات السلامة. ففي المنزل والعمل معًا، قد يؤدي خطأ بسيط في التوصيل أو تشغيل جهاز معيب إلى صعق كهربائي، أو حريق، أو تلف في الأجهزة، بل وقد يصل الأمر إلى إصابات خطيرة لا تُنسى.
في البيوت، تتكرر المخاطر الكهربائية أكثر مما نتخيل، خصوصًا في المطبخ والحمام وغرف المعيشة. فالأجهزة المنزلية مثل الغلايات الكهربائية، والخلاطات، ومحضرات الطعام،

والميكروويف، والسخانات، وأدوات التجميل وفرد الشعر، كلها أدوات مفيدة لكنها قد تصبح شديدة الخطورة إذا استُخدمت بأسلاك تالفة، أو قرب الماء، أو عبر مقابس محملة فوق طاقتها. والسخانات على وجه الخصوص من أكثر الأجهزة التي تستدعي الانتباه، لأنها تجمع بين الماء والكهرباء والحرارة في جهاز واحد، وهو ما يجعل أي خلل فيها سببًا مباشرًا للصعق أو الاشتعال.
وتزداد الخطورة عندما يُستخدم الجهاز بيد مبللة، أو عندما تكون التوصيلات الكهربائية غير مؤرضة جيدًا، أو عند وجود تسرب في السخان أو تلف في العازل الكهربائي. أما أدوات التجميل مثل السشوار ومكواة الشعر ومجعدات الشعر، فهي أيضًا من الأدوات التي تتطلب حذرًا شديدًا، لأنها تسخن بسرعة كبيرة وقد تتسبب في حروق أو شرر أو ماس كهربائي إذا وُضعت على أسطح غير مناسبة أو قرب الأقمشة والستائر.
وفي بيئات العمل، لا تقل المخاطر أهمية. فالأجهزة ذات الأحمال العالية، والأسلاك غير المنظمة، والتوصيلات العشوائية، والعمل في أماكن رطبة أو سيئة التهوية، كلها عوامل ترفع احتمالات الحوادث الكهربائية. ولهذا فإن الوعي، والصيانة، والانضباط في الاستخدام، ليست كماليات، بل هي خط الدفاع الأول لحماية الأرواح والممتلكات.
وعند حدوث ماس كهربائي، فإن التصرف الصحيح يصنع الفارق بين السيطرة على الموقف وحدوث كارثة. أول خطوة يجب اتخاذها هي فصل التيار الكهربائي من القاطع الرئيسي أو من الدائرة الخاصة بالجهاز، مع تجنب لمس الجهاز أو السلك بيد مبللة. وإذا ظهر دخان أو لهب، فلا يجوز أبدًا استخدام الماء لإطفاء الحريق، لأن الماء يوصل الكهرباء وقد يزيد الخطر. وفي هذه الحالة، يجب استخدام طفاية مناسبة للحرائق الكهربائية،
ثم ترك المكان والاتصال بفني مختص لفحص السبب وإصلاحه.
لكن الأهم من التعامل مع الماس بعد وقوعه هو منع تكراره من الأساس. فالأجهزة الكهربائية لا ينبغي تركها موصولة طوال الوقت بلا حاجة، خصوصًا عند السفر أو النوم. كما يجب تجنب تحميل المشترك الواحد بعدد كبير من الأجهزة، وفصل أجهزة المطبخ والسخانات وأدوات الشعر بعد الاستخدام، لأن التشغيل المستمر قد يؤدي إلى سخونة زائدة ثم شرر أو احتراق. ومن الضروري كذلك استبدال أي سلك متشقق أو فيشة محترقة فورًا، وعدم اللجوء إلى إصلاحات مؤقتة أو عشوائية.
كما أن الصيانة الدورية ليست رفاهية، بل ضرورة. ففحص السخان، والتأكد من سلامة الثرموستات وصمام الأمان، ومراجعة التوصيلات الكهربائية، والتأكد من جودة التأريض، كلها خطوات تمنع كثيرًا من الحوادث قبل أن تبدأ. وينبغي أيضًا إبعاد الأجهزة عن الماء والرطوبة، وعدم تمرير الأسلاك تحت السجاد أو الأثاث أو قرب مصادر الحرارة، لأن ذلك يضعف العزل مع الوقت ويزيد فرص الاحتراق.
إن كثيرًا من الحوادث الكهربائية تبدأ بإشارة صغيرة: رائحة حرق، أو صوت طقطقة، أو سخونة غير طبيعية، أو لسعة كهربائية عند لمس الجهاز. وهذه العلامات لا يجب تجاهلها مطلقًا، بل ينبغي التعامل معها على أنها إنذار مبكر يستدعي الإيقاف والفحص فورًا. فالتأخير في مثل هذه الحالات قد يحول مشكلة بسيطة إلى خطر جسيم.
وفي النهاية، فإن الوقاية من المخاطر الكهربائية لا تحتاج إلى تعقيد، بل إلى وعي يومي وانتباه بسيط وسلوك مسؤول. فالكهرباء نعمة عظيمة، لكن سلامتنا معها تبدأ من طريقة الاستخدام، لا من قوة الجهاز. وبين الإهمال والحذر خيط رفيع، قد يكون هو الفاصل بين الأمان والخطر.

بقلم : محمد العزب .. أخصائي السلامة والصحة المهنية



