
كتبت: وجدان عبيد
الباحثة في علم النفس والدراسات الإسلامية والانثروبولوجيا
بمناسبة حلول موسم الامتحانات ذكر لي بعض الأصدقاء (والعُهدة على الراوي)، انه في بعض القرى والمراكز في الصعيد يتم الغش جماعي أحيانا بقوة السلاح من قـِبل أولياء الأمور، والأدهى والأمر أن في بعض الأماكن يتم الغش عن طريق المدرسين أنفسهم في مقابل مبالغ مالية لكل مادة على حدا،وذلك بوضع سماعات في الأذن بعد دخول اللجان، ويتلقى الطالب الإجابة النموذجية من مدرس المادة من خلالها. كيف وصلنا إلى هذا المنحدر، ومتى؟ وكيف السبيل للخروج من هذا المستنقع الذي وقعنا فيه.
كنا نسعى جاهدين لمجابهة هذا الأمر منذ عدة سنوات وحاولنا تعليم أبنائنا أن الغش وإن كان له فوائد في نظر البعض فهي فوائد لحظية وأن النجاح الناتج عن الغش يمنح صاحبه تعزيزا مؤقتا، ونشوى بالنجاح زائفة سرعان ما تزول، كنا نُمني أنفسنا أن أبنائنا صغار لا يدركون حجم الكارثة المستقبلية لما يفعلونه بانفسهم و بمن حولهم، وكنا نتمنى أن يرتجع البعض منهم عن هذا الطريق المدمر لحياتهم التعليمية والمهنية في المستقبل، ولكن ماذا بعد أن ساهم المدرسين أنفسهم وهم المربين والمفترض أن يكونوا أفاضل، كيف نقول للطالب أن هذا الفعل جريمة اجتماعية و شرعية، كيف نقول أن له عواقب وخيمة لن يدركها الطالب في حينها، كيف نقول لأبنائنا أن هذا ضد قيمنا وضد مبادئنا وضد ديننا، كيف؟؟؟؟ كيف والطالب يرى معلمه الفاضل ليس فاضلا، وأنه في سبيل الحصول على حفنة من المال استباح الغش، واستباح هدم كل شيء، فكيف بعد أن فعل هذا يعلمهم شئ من الدين أو المبادئ، ومن سيصدقه؟. والآن هل نربي الطالب والذي هو في مرحلة التربية والتعليم، أم نربي المربي الذي شب وشاب على فعل المعصية ويجاهر بها، إلى من نشتكي؟ إلى معلم يعلم الخطيئة ولا يبالي، أم إلى مَدرسة يُدرس بها عدم الضمير وعدم الأمانة، أم إلى وزارة لم يصبح من إسمها أي معنى فقد اصبحت لا تربية ولا تعليم.
لقد تربينا على قصيدة أمير الشعراء أحمد شوقي وهو يمدح المعلم ويبجله ويقول :
قُـمْ للمعلّمِ وَفِّـهِ التبجيلا
كـادَ المعلمُ أن يكونَ رسولا
أعلمتَ أشرفَ أو أجلَّ من الذي
يبني وينشئُ أنفساً وعقولا.
والآن ماذا نقول لأبنائنا
قم للمعلم واعطه الأموالا
كاد المعلم أن يكون حُثالا
أعلمت أخس وأحقر من الذي
يهدم ويُنشئ راشيا محتالا.
حتى لو دعونا الله لن ينظر إلينا ولن يقبل دعائنا فقد قال الله في كتابه الكريم:
“إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ” (الرعد – 11)
الغش في الامتحانات حرام شرعاً بإجماع العلماء المعاصرين والمجامع الفقهية، ويُعد من كبائر الذنوب لما يترتب عليه من مفاسد واعتداء على الحقوق.
والأدلة الشرعية من القرآن الكريم: دخول الغش تحت باب الخيانة وأكل أموال الناس بالباطل، لقوله تعالى:” يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ” .
و قول النبي ﷺ: «مَنْ غَشَّ فَلَيْسَ مِنِّي» (رواه مسلم)، وهو لفظ عام يشمل الغش في المعاملات، والنصيحة، والتعليم.
الأحكام المتعلقة بأطراف العملية التعليمية
الطالب الغشاش: يرتكب إثماً كبيراً، ويستوي في ذلك أن تكون المادة دينية أو دنيوية، وبغض النظر عن سماح المراقب بذلك من عدمه.
المراقب والمُعلم: يحرم عليه التسهيل أو التغافل عن الغش، ويُعتبر شريكاً في الإثم والخيانة، لقوله تعالى: {وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ}.
الطالب المساعد: يحرم على الطالب مساعدة زميله في اللجنة، لأنها إعانة على معصية تضر بمبدأ تكافؤ الفرص بين الطلاب.
ونختتم قولنا: إن مكافحة الغش لا تكون بالعقوبات فقط، بل بغرس قيم الأمانة والاعتماد على النفس، وتوفير بيئة تعليمية تشجع على الفهم والتعلم الحقيقي. فالنجاح القائم على الجهد والمعرفة يبني فردًا قادرًا على خدمة نفسه ومجتمعه، بينما الغش يحقق مكسبًا مؤقتًا لكنه قد يترك آثارًا سلبية طويلة المدى على الفرد والمجتمع.



