مقالات

الغطرسة الأمريكية تعيد العالم إلى عصور الهمجية بقلم: عبدالعزيز سالم

بقلم د عبدالعزيز سالم الغنيمي

في لحظةٍ كان العالم يأمل فيها أن تتقدم الإنسانية نحو مزيدٍ من العقلانية والتعاون والسلام، عادت الغطرسة الأمريكية لتفرض منطق القوة بدلًا من قوة المنطق، وتدفع البشرية خطوةً إلى الخلف، نحو عصورٍ ظنّ الناس أنها طُويت إلى غير رجعة.

حيث كانت القوة هي الحكم، والسلاح هو اللغة، والهيمنة هي القانون الوحيد المعترف به.

لم تعد السياسة الدولية اليوم تُدار بمنطق الشراكة المتوازنة، بل بمنطق الإملاءات والضغوط والعقوبات.

فكل دولة تحاول أن تمتلك قرارها المستقل تُتهم، وكل شعب يسعى إلى حماية مصالحه يُعاقب، وكل صوت يرفض الهيمنة يُصنف عدوًا يجب إسكاتُه.

هكذا تُعاد صياغة العلاقات الدولية، لا وفق مبادئ العدالة، بل وفق مقاييس القوة والنفوذ.

لقد أثبتت السنوات الأخيرة أن الغطرسة الأمريكية لا تتوقف عند حدود الجغرافيا، بل تمتد إلى الاقتصاد والسياسة والثقافة وحتى الوعي الجمعي للشعوب..

فمن الحروب التي أشعلت أوارها، إلى الانقلابات التي دعمتها، إلى العقوبات التي فرضتها على دول بأكملها.

كانت النتيجة واحدة: دمارٌ اقتصادي، وانقسامٌ اجتماعي، وفوضى سياسية، يدفع ثمنها الأبرياء قبل غيرهم.

إن أخطر ما في هذه الغطرسة ليس فقط ما تسببه من حروب وصراعات، بل ما تزرعه من ثقافة الاستباحة والتوحش.

حيث يصبح قتل الأبرياء أمرًا مبررًا، وتدمير الدول “ضرورة استراتيجية”، ونهب الثروات “حقًا مشروعًا”.

وهنا تكمن العودة الحقيقية إلى عصور الهمجية، حين تُختزل الإنسانية في معادلات القوة، ويُختصر القانون الدولي في مصالح الأقوى.

ولعل المفارقة الأكثر إيلامًا أن الولايات المتحدة، التي تتغنى بالديمقراطية وحقوق الإنسان، هي ذاتها التي تغض الطرف عن أبشع الانتهاكات حين تصدر عن حلفائها، وتُصعّد خطابها حين تتعارض المصالح مع شعاراتها.

فتتحول القيم إلى أدوات سياسية، والحقوق إلى أوراق ضغط، والعدالة إلى شعارٍ انتقائي يُستخدم متى شاءت المصالح.

إن العالم اليوم يقف على مفترق طرق خطير: إما أن يستمر في الخضوع لمنطق الغطرسة، فتتكرس الفوضى وتتعاظم الصراعات، أو أن تتكاتف الدول والشعوب لبناء نظام دولي أكثر عدلًا وتوازنًا، يقوم على احترام السيادة، وتكافؤ المصالح، وحماية الإنسان من تغول القوة.

ولعل التاريخ يعلمنا أن الغطرسة، مهما بلغت قوتها، لا تدوم. فالإمبراطوريات التي بنت مجدها على الهيمنة والسلاح سقطت، وبقيت الشعوب التي راهنت على الحق والعدل.

وربما يكون الزمن القادم شاهدًا على ميلاد عالم جديد، لا تحكمه الغطرسة، بل تحكمه الحكمة، ولا تقوده القوة، بل تقوده الإنسانية.

في زمنٍ تتكاثر فيه الأزمات، يصبح السؤال الأكبر: هل يملك العالم الشجاعة ليقول “لا” لمنطق الهيمنة؟ أم أن البشرية ستظل أسيرة لدائرة الصراع، حتى تدرك متأخرة أن الغطرسة ليست طريقًا إلى المجد، بل طريقًا إلى الخراب؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى