
بين الأسطورة واللون كيف حوّل النوبيون الفن إلى لغة للحياة؟
بقلم: د. مروة عيسى
استشاري نفسي وتربوي ومعالج بالفن التشكيلي
في اليوم العالمي للنوبة، 7 يوليو لا نحتفي فقط بمنطقة جغرافية أو بتراث شعبي عريق، بل نحتفي بحضارة إنسانية استطاعت أن تحافظ على هويتها عبر آلاف السنين، وأن تجعل من الفن لغةً للحياة، ومن الألوان رسالةً للأمل، ومن الحكايات الشعبية ذاكرةً لا تموت.
ليست النوبة مجرد مكان على ضفاف النيل، بل هي حضارة نسجت حكاياتها بالألوان، وحفظت ذاكرتها على الجدران قبل أن تحفظها الكتب. وبين الأساطير التي تناقلها الأجداد، نجد إيمانًا عميقًا بأن اللون والزخرفة ليسا مجرد زينة، بل يحملان رسالة للحماية والطمأنينة وجلب الخير.
وتروي إحدى الحكايات الشعبية النوبية أن الأرواح الطيبة كانت تهتدي إلى البيوت المضيئة بالألوان الزاهية، فتبارك أهلها، بينما تنفر الأرواح الشريرة من النقوش الهندسية والرموز التي تزين الجدران والأبواب. لذلك لم يكن طلاء البيوت بالأزرق والأبيض والأصفر مجرد ذوق جمالي، بل طقسًا يحمل معاني الأمان والأمل واستقبال الحياة.

ومن المدهش أن هذا الاعتقاد الشعبي يلتقي مع ما يؤكده علم النفس الحديث؛ فالألوان تؤثر في المشاعر، والرموز الفنية تعكس الهوية والانتماء، والفن يمنح الإنسان شعورًا بالسكينة والتوازن النفسي. وكأن النوبيين أدركوا بفطرتهم ما أثبتته الدراسات بعد قرون.
الفن النوبي ليس مجرد زخارف جميلة، بل سجل بصري للحياة. فالشمس، والنخيل، والطيور، والأمواج، والأشكال الهندسية، جميعها رموز تحمل معاني القوة، والخصوبة، والاستمرار، والتواصل مع الطبيعة. إنها لغة بصرية تنقل القيم من جيل إلى آخر دون كلمات.
ولعل أجمل ما يميز الفن النوبي أنه فن يعيش مع الإنسان؛ يحيط به في بيته، وفي ملابسه، وفي احتفالاته، حتى يصبح جزءًا أصيلًا من هويته اليومية. ولذلك بقي هذا التراث نابضًا بالحياة رغم تغير الأزمنة، محتفظًا بأصالته وسحره.
وفي اليوم العالمي للنوبة، يبقى الحفاظ على هذا التراث مسؤولية مشتركة، ليس فقط بتوثيق تاريخه، بل بدعم فنونه، وتشجيع أجياله الجديدة على الاعتزاز به، لأنه جزء أصيل من الهوية المصرية والإنسانية.
فكل لون على جدار نوبي، وكل نقش رُسم بحب، وكل حكاية تناقلتها الأجيال، يؤكد أن الفن كان وسيظل لغة الروح، وأن حضارة النوبة ستبقى منارةً للجمال والإبداع عبر الزمن.
بين الأسطورة واللون كيف حوّل النوبيون الفن إلى لغة للحياة؟



