حين يرهق العقل صاحبه.. بقلم/ أسماء محمود
بقلم / أسماء محمود صلاح
لم يعد الإنسان في عصرنا يخشى الفقر وحده أو المرض وحده أو تقلبات الحياة وحدها بل أصبح يواجه عدوا أكثر خفاء وأشد تأثيرا عقله.
ذلك العقل الذي أُودعت فيه أعظم نعم الإنسان التفكير والتحليل والتخطيط قد يتحول أحيانا إلى مصدر استنزاف إذا فقد صاحبه القدرة على إدارة أفكاره فليس كل ما يدور في أذهاننا حقيقة وليس كل ما نشعر به يعكس الواقع كما هو بل إن العقل قد يصنع سيناريوهات كاملة لا وجود لها إلا في مخاوفنا.
يشير علم النفس المعرفي إلى أن الإنسان لا يتعامل مع الأحداث مباشرة وإنما يتعامل مع تفسيره لها ولذلك قد يتعرض شخصان للموقف ذاته فيراه أحدهما تحديا يمكن تجاوزه بينما يراه الآخر كارثة لا مخرج منها وما بين التفسيرين تتحدد مشاعر الإنسان وسلوكه وجودة حياته.
إن كثرة التفكير ليست دائما دليلا على الحكمة كما أن الانشغال المستمر بالمستقبل لا يعني حسن التخطيط فهناك فرق كبير بين التفكير الذي يقود إلى الحل والتفكير الذي يدور في حلقة مفرغة يستهلك الطاقة النفسية دون أن يغير الواقع وهذا ما يعرف في علم النفس بالاجترار الفكري وهو من أكثر العوامل ارتباطا بالقلق والاكتئاب واضطرابات النوم.
ولعل ما يزيد الأمر تعقيدا أن الإنسان قد يصبح أسيرا لأفكار سلبية يكررها على نفسه حتى يصدقها فيرى نفسه أقل قيمة أو يعتقد أن الفشل قدره أو يتوقع الرفض قبل أن يمنح الآخرين فرصة للتقرب منه ومع مرور الوقت لا تعود هذه الأفكار مجرد خواطر عابرة بل تتحول إلى عدسة يرى من خلالها الحياة كلها.
ولا يقف أثر هذه الأفكار عند الجانب النفسي بل يمتد إلى الجسد أيضا فالضغوط المزمنة ترتبط بارتفاع هرمونات التوتر واضطراب النوم وضعف التركيز وقد تؤثر في المناعة وضعف الكتله العضليه والصحة العامة وهكذا تتداخل النفس والجسد في علاقة وثيقة يؤثر كل منهما في الآخر.
ومن رحمة الله بالإنسان أن ديننا لم يترك النفس بلا توجيه فقد دعا الإسلام إلى الطمأنينة والتوكل والصبر وحسن الظن بالله مع الأخذ بالأسباب والعمل والاجتهاد قال تعالى ألا بذكر الله تطمئن القلوب فالطمأنينة ليست غياب المشكلات بل القدرة على مواجهتها بقلب ثابت وعقل متزن.
كما أن طلب المساعدة عند الحاجة ليس ضعفا بل وعي ومسؤولية فالطب النفسي وعلم النفس يقدمان وسائل علمية فعالة للتعامل مع الاضطرابات النفسية شأنهما شأن أي تخصص طبي آخر وكلما كان التدخل مبكرا كانت فرص التعافي أفضل.
إن أعظم انتصار قد يحققه الإنسان في حياته ليس الانتصار على الآخرين بل الانتصار على الأفكار التي تحاول إقناعه بأنه عاجز أو وحيد أو بلا قيمة فالعقل نعمة عظيمة لكنه يحتاج إلى تدريب كما يحتاج الجسد إلى الرياضة ويحتاج إلى غذاء معرفي وروحي يحفظ توازنه.
وفي النهاية تظل الحقيقة التي يؤكدها علم النفس وتدعمها التجارب الإنسانية أن جودة الحياة لا تتحدد فقط بما يحدث لنا بل بالطريقة التي نفكر بها فيما يحدث فإذا أحسن الإنسان إدارة أفكاره أصبح أكثر قدرة على إدارة حياته وأكثر اقترابا من السكينة التي ينشدها الجميع.



