مقالات

حين يُكسر الصوت من الداخل…

العنف ضد المرأة جرحٌ لا يُرى

حين يُكسر الصوت من الداخل… العنف ضد المرأة جرحٌ لا يُرى
بقلم د. مروة عيسي
استشاري نفسي وتربوي ومعالج بالفن التشكيلي
مؤسس مبادرة “أثر” و”الفن حياة وجونا”
رئيس لجنة المرأة والطفل في نادي Premier Lions Club

لم يعد العنف ضد المرأة مجرد ظاهرة اجتماعية عابرة، بل أصبح أزمة إنسانية ونفسية عميقة تمتد آثارها إلى ما هو أبعد من الجسد، لتصيب الروح في صمت.

فبين جدران المنازل، وخلف ابتساماتٍ متعبة، تعيش كثير من النساء معاناة لا تُرى، لكنها تُشعر بكل تفاصيلها.

العنف لا يقتصر على الضرب أو الإيذاء الجسدي فقط، بل يمتد ليشمل الإهانة، التحقير، التهديد، السيطرة، والإهمال العاطفي.

هذه الأنواع من العنف تترك ندوبًا نفسية قد تكون أكثر عمقًا وخطورة من أي أثر جسدي. فالمرأة المعنَّفة نفسيًا تفقد تدريجيًا شعورها بالأمان،

وتبدأ ثقتها بنفسها في التآكل، حتى تصل أحيانًا إلى الإحساس بالعجز أو الاستحقاق لما يحدث لها، وهو أخطر ما يمكن أن تصل إليه الضحية.

من الناحية النفسية، تتعرض المرأة المعنَّفة إلى اضطرابات متعددة، منها القلق المزمن، الاكتئاب، اضطراب ما بعد الصدمة،

واضطرابات في النوم والتركيز. كما أن التعرض المستمر للعنف يجعل الجهاز العصبي في حالة تأهب دائم، وكأن الخطر لا يغيب، مما يؤدي إلى استنزاف نفسي شديد.

الأخطر من ذلك، أن هذا العنف لا يقف عند حدود المرأة فقط، بل يمتد تأثيره إلى الأطفال، الذين قد يشهدون هذه الممارسات، فينشأ لديهم اضطراب في مفهوم الأمان والعلاقات، وقد يعيدون إنتاج نفس السلوكيات مستقبلًا، سواء كضحايا أو كممارسين للعنف.

من خلال عملي كاستشاري نفسي ومعالج بالفن، أؤمن أن التعبير هو أول طريق التعافي. فالفن يمنح المرأة مساحة آمنة للتعبير عن مشاعرها المكبوتة،

ويساعدها على إعادة اكتشاف ذاتها، واستعادة صوتها الداخلي الذي ربما تم إسكاته طويلًا. إن تمكين المرأة نفسيًا هو حجر الأساس في مواجهة العنف، وليس فقط حمايتها جسديًا.

نحن بحاجة إلى تغيير ثقافي حقيقي، يبدأ من التربية، ويمتد إلى الإعلام، والتعليم، والمؤسسات. يجب أن نتعلم جميعًا أن الاحترام ليس خيارًا، وأن الكرامة الإنسانية لا تقبل التفاوض.

في النهاية، أوجه رسالتي لكل امرأة تعاني في صمت: أنتِ لستِ وحدكِ، وصوتكِ مهم، وحياتكِ تستحق أن تُعاش بكرامة وأمان. وعلينا جميعًا، كمجتمع، أن نكون جزءًا من الحل، لا شهودًا على الألم.

العنف ضد المرأة ليس قضية نسائية فقط، بل قضية مجتمع بأكمله… فإما أن نواجهها بوعي، أو ندفع ثمنها جميعًا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى