
مقال تحليليكتبت د/ دارين محمود جبريل
باحث العلوم السياسية والمحلل السياس
عقب التطورات السياسية والأمنية غير المسبوقة التي تمثلت في اعتقال الرئيس السابق نيكولاس مادورو من قبل الولايات المتحدة برزت ديلسي رودريغيز بوصفها الفاعل المركزي في إدارة المرحلة الانتقالية، بعد تعيينها رئيسة موقتة للبلاد بقرار من المحكمة العليا، لتصبح أول امرأة تتولى هذا المنصب في تاريخ فنزويلا.
الإطار الدستوري والمؤسسي للمرحلة الانتقالية
من الناحية الدستورية، تستند شرعية تولي ديلسي رودريغيز مهام الرئاسة إلى قرار صادر عن المحكمة العليا، في ظل غياب الرئيس السابق عن ممارسة مهامه.
وتنص أحكام الدستور الفنزويلي على أن تمتد الولاية الموقتة لمدة لا تتجاوز 90 يومًا، مع إمكانية تمديدها لمدة مماثلة بقرار من الجمعية الوطنية.
كما يُلزم الدستور القيادة الانتقالية بالدعوة إلى انتخابات رئاسية خلال 30 يومًا في حال إعلان الشغور النهائي للمنصب، وهو ما لم يُحسم بعد سياسيًا وقانونيًا.
ورغم عدم أدائها اليمين الدستورية أمام البرلمان حتى الآن، فإن اعتراف المؤسسة العسكرية بها رئيسة موقتة منحها شرعية فعلية، تعكس الوزن الحاسم للقوات المسلحة في موازين السلطة خلال المراحل الانتقالية،
ولا سيما في الدول التي تشهد أزمات سياسية ممتدة.
رودريغيز كفاعل سياسي داخل بنية النظام
فقد شغلت منصب نائبة الرئيس منذ عام 2018، وكانت تُعد من أكثر الشخصيات تمتعًا بثقته، وهو ما يفسر انتقالها السلس نسبيًا إلى موقع القيادة في لحظة سياسية حرجة.
ويذهب عدد من المحللين إلى أن افتقارها إلى قاعدة سياسية مستقلة خلال عهد هوغو تشافيز جعلها أكثر ارتباطًا ببنية النظام القائم، وأقل ميلًا إلى التمرد المؤسسي عليه.
فقد تولت حقيبة الاقتصاد بين عامي 2020 و2024، في فترة اتسمت بمحاولات احتواء الانهيار الاقتصادي والانفتاح المحدود على القطاع الخاص.
وخلافًا للخطاب التقليدي للتشافيزية، أسهمت رودريغيز في بناء قنوات تواصل مع رجال الأعمال، وتهيئة بيئة تفاوضية بين الدولة والقطاع الخاص، ما جعلها تحظى بصورة إيجابية نسبيًا لدى الفاعلين الاقتصاديين.
ويعزز هذا التوجه توصيفها بوصفها “الوجه البراغماتي” داخل النظام،
السياسة الخارجية والعلاقة مع الولايات المتحدة
فيما يتعلق بالسياسة الخارجية، تضع المرحلة الانتقالية رودريغيز أمام اختبار بالغ الحساسية، خاصة في ضوء التحذيرات العلنية الصادرة عن الإدارة الأميركية
تملك رودريغيز خبرة دبلوماسية سابقة بحكم توليها حقيبة الخارجية بين عامي 2014 و2017، حيث أشرفت على انسحاب فنزويلا من منظمة الدول الأميركية،
ما يعكس موقفًا تصادميًا مع النظام الإقليمي الغربي
قطاع النفط وصراعات النخبة
يحتل قطاع النفط مكانة محورية في معادلة السلطة الاقتصادية والسياسية في فنزويلا. وقد تولت رودريغيز الإشراف على هذا القطاع عقب اعتقال وزير النفط السابق طارق العيسمي بتهم تتعلق بالفساد.
ويرى عدد من المحللين أن هذه الخطوة عكست إعادة ترتيب داخل النخبة الحاكمة، وأن الشقيقين رودريغيز لعبا دورًا مؤثرًا في إزاحة أحد أبرز مراكز القوى داخل النظام.
في النهاية يمكن القول إن ديلسي رودريغيز
تمثل نموذجًا للقيادة الانتقالية ذات الطابع البراغماتي داخل نظام ذي جذور أيديولوجية واضحة.
فهي من جهة امتداد مباشر لبنية السلطة التي تشكلت في عهد تشافيز ومادورو،
ومن جهة أخرى فاعل يسعى إلى إعادة ضبط أدوات الحكم بما يتلاءم مع موازين القوى الداخلية والخارجية.
وستتوقف مآلات المرحلة الانتقالية إلى حد كبير على قدرتها على إدارة التوازن بين الضغوط الأميركية، وتماسك المؤسسة العسكرية، ومتطلبات الاستقرار الاقتصادي، والاستحقاقات الدستورية المرتبطة بالانتقال السياسي.
Manaay Raegan Cambria


