
على حافة الروح
بقلم: أسماء محمود صلاح
هناك أوجاع لا ترى ولا تقاس ولا تترك أثرا على الجلد لكنها قد تنهك الإنسان حتى يشعر أن روحه هي التي تحمل الجسد لا العكس
وقد يكون أكثر ما يؤلم في الاكتئاب أنه لا يسرق من الإنسان ابتسامته أولا بل يسرق قدرته على أن يشرح ما يشعر به فيقف حائرا بين قلبٍ يصرخ ولسان يعجز عن الكلام وحين يسأله الناس ما بك؟ يكتفي بجملة قصيرة لا شيء ليس لأنه لا يريد الحديث بل لأنه لا يعرف من أين يبدأ ولا كيف يصف ألما لا شكل له
على حافة الروح
الاكتئاب ليس حزنا عابرا ولا ضعفا في الشخصية ولا نقصا في الإيمان كما يظن بعض الناس إنه اضطراب نفسي معقد تتداخل في ظهوره عوامل بيولوجية ونفسية واجتماعية حتى يبدو وكأنها خيوط كثيرة نسجت معا ثوبا من الألم
فقد يكون للعامل الوراثي دور إذ تشير الدراسات إلى أن وجود تاريخ عائلي للاكتئاب قد يزيد من احتمالية الإصابة به لكنه لا يعني أن الإنسان سيصاب به حتما فالوراثة تمنح استعدادا لكنها ليست حكما نهائيا وهناك أيضا دور لبعض الجينات التي تؤثر في طريقة عمل النواقل العصبية داخل الدماغ إلا أن هذه الجينات لا تعمل بمعزل عن البيئة التي يعيش فيها الإنسان وما يمر به من ضغوط وخبرات
ولهذا قد يتعرض شخصان للمحنة نفسها فيتعافى أحدهما بينما يصاب الآخر بالاكتئاب فالإنسان ليس جيناته فقط وليس ظروفه فقط بل هو حصيلة تفاعل معقد بين جسده ونفسيته وتجارب حياته والدعم الذي يجده ممن حوله

وقد يبدأ الاكتئاب بهدوء حتى إن صاحبه لا يلتفت إليه يظن في البداية أنه مجرد إرهاق أو قلة نوم أو ضيق مؤقت ثم يلاحظ أن الأشياء التي كانت تمنحه السعادة لم تعد تحرك فيه شيئا
قد يستيقظ صباحا وينظر إلى الساعة ثم يشعر أن مجرد النهوض من الفراش مهمة تفوق طاقته
وقد يقف أمام خزانة ملابسه دقائق طويلة لا لأنه لا يعرف ماذا سيرتدي بل لأنه لا يجد سببا يدفعه إلى الخروج
وقد يرن هاتفه مرارا فيراه ويقرأ اسم المتصل ثم يعجز عن الرد ليس لأنه لا يحب ذلك الشخص بل لأن الكلام أصبح يحتاج إلى قوة لم تعد موجوده
وهنا تكمن قسوة الاكتئاب
إنه لا يجعل الإنسان يكره الحياة دائما بل يجعله يفقد القدرة على الإحساس بها
الطعام الذي كان يحبه يصبح بلا طعم
الصوات التي كانت تريحه تصبح مجرد أصوات ومزعجه
الأماكن التي كانت تمنحه الأمان تبدو غريبة
والأشخاص الذين كان يشتاق إليهم قد لا يجد في نفسه طاقة حتى للقائهم
لا يقتصر الاكتئاب على الحزن بل يمتد إلى طريقة التفكير نفسها فيصبح العقل أكثر ميلا إلى جلد الذات وأكثر استعدادا لتذكر الإخفاقات وأقل قدرة على رؤية النجاحات فيفسر الكلمات العادية على أنها رفض ويحول الأخطاء الصغيرة إلى دليل على الفشل ويقنع صاحبه بأنه أقل قيمة مما هو عليه في الحقيقة
ولهذا قد تسمع المصاب بالاكتئاب يقول
أشعر أنني أرهق الجميع
لم أعد الشخص الذي كنت أعرفه
أتمنى أن أعود كما كنت حتى لو ليوم واحد
هذه العبارات ليست بحثا عن الشفقة بل محاولة لوصف معركة تدور في الداخل
ولعل أكثر ما يؤلم المصاب بالاكتئاب أن الآخرين كثيرا ما يطلبون منه ما يعجز عنه المرض نفسه فيقال له ابتسم أو كن قويا أو أنت تبالغ بينما هو يبذل جهدا هائلا ليعبر يوما واحدا دون أن ينهار
إن الإنسان المصاب بالاكتئاب لا يحتاج دائما إلى حلول سريعة بقدر حاجته إلى من يفهم أن ما يمر به حقيقي يحتاج إلى من يصغي دون أن يحاكم ويقترب دون أن يضغط ويمنحه الأمل دون أن ينكر ألمه
ولذلك فإن الاكتئاب ليس نهاية الطريق فالطب النفسي الحديث أثبت أن هذا الاضطراب قابل للعلاج وأن كثيرا من المرضى يستعيدون حياتهم تدريجيا بالعلاج النفسي أو الدوائي أو بكليهما معا وفق ما يحدده الطبيب المختص والتعافي قد يحتاج إلى وقت لكنه ليس مستحيلا
ويبقى الاكتئاب رسالة لا ينبغي أن تقابل بالاتهام بل بالفهم لأنه لا يختار ضحاياه ولا يفرق بين قوي وضعيف ولا بين غني وفقير
وفي النهاية
إذا مررت يوما بإنسان تغير فلا تسارع إلى سؤاله لماذا أصبحت هكذا؟
بل اسأله بلطف
كيف حال قلبك؟
فلعلك تكون أول من سأله عن الجرح قبل أن يحكم على الندبة.
على حافة الروح



