
ما اشبه اليوم بامبارح/بقلم: اشرف قميحه
بقلم: اشرف قميحه
من اكثر الاخطاء التى يقع فيها الناس انهم يصدرون احكامهم على الاحداث فى لحظه وقوعها بينما يعلمنا التاريخ ان القرارات الكبرى لا تقاس بردود الافعال الاولى وانما بما تحققه من نتائج بعد سنوات طويله فكم من قرار تعرض للهجوم ثم تحول مع مرور الزمن الى انجاز يفتخر به الوطن وكم من قرار حظى بالتصفيق ثم اثبتت الايام انه لم يكن فى مصلحه الشعوب
ولعل ما حدث مع الرئيس الراحل انور السادات خير دليل على ذلك فعندما وقع معاهدة السلام بعد انتصار اكتوبر تعرض لهجوم عنيف من الداخل والخارج واعتبره كثيرون متنازلا عن ثوابت الامه وقوطعت مصر عربيا لسنوات طويله لكن بعد مرور اكثر من اربعين عاما تغيرت نظره كثير من الناس واصبح استرداد سيناء كامله دون حرب جديده واحدا من اهم الانجازات التى شهدها التاريخ المصرى الحديث
واليوم تعيش مصر حاله مشابهه من الجدل حول عدد من المشروعات القوميه التى تنفذها الدوله وعلى راسها العاصمه الاداريه الجديده والاوكتاجون وغيرها من مشروعات البنيه التحتيه والتنميه فهناك من يرى انها ضروره لبناء مستقبل الدوله وهناك من يرى ان الاولويه كانت يجب ان تتجه الى ملفات اخرى وهذا الاختلاف فى حد ذاته امر طبيعى فى اى مجتمع حى
ومن ينظر الى تجارب الامم يجد ان اغلب الدول التى حققت نهضتها الحديثه دفعت فى البدايه ثمنا باهظا من الصبر وتحملت انتقادات كثيره قبل ان تظهر ثمار ما قامت به من مشروعات فشبكات الطرق والموانى والمدن الجديده ومحطات الطاقه لم تبن من اجل جيل واحد بل من اجل اجيال متعاقبه ولذلك كانت الرؤيه دائما ابعد من حدود الحاضر واوسع من حسابات اللحظه
وفى مصر لم تكن مشروعات البنيه التحتيه مجرد انشاءات اسمنتيه كما يروج البعض بل كانت محاوله لاعاده بناء الدوله على اسس حديثه فالطرق والكبارى ساهمت فى ربط المحافظات وتقليل زمن الانتقال وتيسير حركه التجاره والاستثمار كما ان تطوير شبكات الكهرباء والغاز والموانى وفر بيئه اكثر استعدادا لاستقبال الصناعات والمشروعات الجديده وهى امور قد لا يشعر بها المواطن بشكل مباشر فى يوم واحد لكنها تشكل اساسا لاى تنميه اقتصاديه مستقبليه
كما ان المدن الجديده لم تقم فقط من اجل نقل الوزارات او انشاء مبان حديثه بل جاءت استجابه للزياده السكانيه الكبيره التى تشهدها مصر ولتقليل الضغط عن المدن القديمه وخلق مجتمعات عمرانيه اكثر تنظيما وتوفيرا لفرص العمل والخدمات وهو ما تتجه اليه كثير من دول العالم التى تخطط لمستقبلها بعقل الدول لا بعقل اللحظه
ولا يعنى ذلك ان كل مشروع يخلو من الاخطاء او ان اى تجربه لا تحتاج الى مراجعات وتطوير فكل عمل بشرى قابل للتقييم والتصحيح ولكن الفارق بين النقد البناء والهجوم المطلق ان الاول يبحث عن تحسين الواقع بينما الثانى يسعى الى هدم الثقه فى كل انجاز قبل ان تكتمل صورته ولذلك يبقى الميزان العادل هو النتائج الحقيقيه التى يثبتها الزمن لا الضجيج الذى يصاحب البدايات .

لكن المواطن الواعى لا يجعل موقفه مبنيا على العاطفه وحدها ولا على الانتماء السياسى فقط بل ينظر الى الحقائق والنتائج ويترك للتاريخ فرصه ان يقول كلمته فليس كل ما نرفضه اليوم يكون خطا وليس كل ما نؤيده اليوم يكون صوابا
لقد علمتنا الايام ان الدول التى تريد مستقبلا قويا لابد ان تخطط لعشرات السنين القادمه لا لاحتياجات اليوم فقط كما علمتنا ان المشروعات الكبرى تحتاج وقتا حتى تظهر اثارها الحقيقيه سواء كانت ايجابيه او سلبيه ولذلك فان الانصاف يقتضى ان يكون الحكم مبنيا على ما تحقق على ارض الواقع لا على الانطباعات السريعه
ولعل الدرس الاهم الذى يجب ان نستفيد منه هو ان الاختلاف فى الراى لا يفسد حب الوطن فالنقد الموضوعى مطلوب والتاييد المبنى على الحقائق مطلوب ايضا اما التعجل فى اصدار الاحكام فهو ما يظلم الاشخاص ويظلم الاوطان
يبقى التاريخ هو القاضى الذى لا يجامل احدا ولا يخضع للضغوط ولا للشعارات فهو وحده الذى يكشف بعد مرور السنوات من كان قراره صائبا ومن كان تقديره صحيحا ولذلك سيظل التاريخ دائما يردد لنا درسا لا يتغير مهما اختلفت الازمان ما اشبه اليوم بامبارح .
حفظ الله مصر رئيسا وجيشا وشعب
تحيا مصر . تحيا مصر . تحيا مصر.
ما اشبه اليوم بامبارح/بقلم: اشرف قميحه



